منه ، فقال للمنافقين : ابنوا مسجدا واستعدوا ، فإني ذاهب إلى قيصر (١) بالشام ، [فآتي
__________________
ـ وقيل : هو مسجد المدينة. قال : والحق أن كلا منهما أسس على التقوى.
وقوله تعالى في بقية الآية : (فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) يؤكد أن المسجد مسجد قباء.
قال الداودي وغيره : ليس هذا اختلافا ، فإن كلّا منهما أسس على التقوى ، وكذا قال السهيلي وزاد أن قوله : (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) يقتضي مسجد قباء ؛ لأن تأسيسه كان من أول يوم وصل النبي صلىاللهعليهوسلم دار الهجرة.
وروى ابن أبي شيبة ، عن هشام عن عروة عن أبيه قال : كان موضع مسجد قباء لامرأة يقال لها : ليّة كانت تربط حمارا لها فيه ، فابتنى سعد بن خيثمة مسجدا ، فقال أهل مسجد الضرار : نحن نصلي في مربط حمار ليّة؟ لا لعمر الله ، لكنا نبني مسجدا فنصلي فيه ، وكان أبو عامر برىء من الله ورسوله ، ولحق بعد ذلك بالشام فتنصر فمات بها ، فأنزل الله تعالى : (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً) قال ابن النجار : هذا المسجد بناه المنافقون مضاهيا لمسجد قباء ، وكانوا مجتمعين فيه يعيبون النبي صلىاللهعليهوسلم ويستهزءون به ، وقال ابن عطية : روي عن ابن عمر أنه قال : المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد رسول الله صلىاللهعليهوسلم والمراد بقوله : (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ) هو مسجد قباء ، وأن البنيان الذي أسس على شفا جرف هار فهو مسجد الضرار بالإجماع.
قال ابن إسحاق : وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا : خذام بن خالد من بني عبيد بن زيد ، ومعتب ابن قشير من بني ضبيعة بن زيد ، وأبو حبيبة بن الأزعر من بني ضبيعة بن زيد ، وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف من بني عمرو بن عوف ، وجارية بن عامر ، وابناه مجمع بن جارية وزيد بن جارية ، ونفيل بن الحرث من بني ضبيعة ، وبحزج بن عثمان من بني ضبيعة ، ووديعة بن ثابت من بني أمية بن عبد المنذر.
وقال بعضهم : إن رجالا من بني عمرو بن عوف وكان أبو عامر المعروف بالراهب ـ وسماه النبي صلىاللهعليهوسلم بالفاسق ـ منهم ، فدعا رسول الله صلىاللهعليهوسلم مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف ، ومعن بن عدي وأخاه عاصم بن عدي ـ زاد البغوي : وعامر بن السكن ووحشي قاتل حمزة ، زاد الذهبي في التجريد : سويد بن عباس الأنصاري ـ فقال : (انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فهدموه وحرقوه) فخرجوا مسرعين حتى أتوا بني سالم بن عوف ، فقال مالك لرفيقيه : أنظراني حتى أخرج إليكما ، فدخل إلى أهله وأخذ سعفا من النخيل فأشعل فيه نارا ، ثم خرجوا يشتدون حتى أتوا المسجد بين المغرب والعشاء ، وفيه أهله وحرقوه وهدموه حتى وضعوه بالأرض وتفرق عنه أصحابه ، فلما قدم رسول الله صلىاللهعليهوسلم المدينة عرض على عاصم بن عدي المسجد يتخذه دارا ، فقال عاصم : يا رسول الله ، ما كنت لأتخذ مسجدا قد أنزل الله فيه ما أنزل دارا ، ولكن أعطه ثابت بن أقرم فإنه لا منزل له ، فأعطاه رسول الله صلىاللهعليهوسلم ثابت بن أقرم. فلم يولد في ذلك البيت مولود قط ، ولم ينعق فيه حمام قط ، ولم تحضن فيه دجاجة قط.
وروى ابن المنذر عن سعيد بن جبير ، وابن المنذر وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ عن قتادة ، وابن المنذر عن ابن جريج ـ رحمهمالله تعالى ـ قالوا : ذكر لنا أنه حفر في مسجد الضرار بقعة فأبصروا الدخان يخرج منها.
ينظر : سبل الهدى والرشاد (٥ / ٦٧٤ ـ ٦٧٧).
(١) القياصرة : كان يقال لكل من ملك منهم قيصر : وأصل هذه اللفظة في اللغة الرومية جاشر بجيم وشين معجمة فعربتها العرب قيصر ، ولها في لغتهم معنيان : أحدهما الشعر ، والثاني الشيء المشقوق.
واختلف في أول من تلقب بهذا اللقب منهم : فقيل أغانيوش أول ملوك الطبقة الثانية منهم ، سمي ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
