الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين ، فأطلع الله نبيه على ما أسرّوا ؛ ليعلم أنه إنما عرف ذلك بالله تعالى.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ).
أي : بنوا ذلك المسجد إرصادا لمن حارب الله ورسوله.
قال عامة أهل التأويل (١) : هو أبو عامر (٢) ؛ ذكر أن أبا عامر حارب رسول الله ، ثم فرّ
__________________
(١) أخرجه ابن جرير (٦ / ٤٧١) عن كل من :
ـ ابن عباس (١٧٢٠٣).
ـ مجاهد (١٧٢٠٤ ـ ١٧٢٠٧).
ـ سعيد بن جبير (١٧٢١٠).
ـ قتادة (١٧٢١١).
ـ الضحاك (١٧٢١٢).
وذكره السيوطي في الدر (٣ / ٢٩٤) وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس.
ـ ولابن المنذر عن سعيد بن جبير.
ـ ولابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد.
(٢) روى ابن إسحاق عن أبي رهم كلثوم بن الحصين الغفاري ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه من طريق آخر ، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس ـ رضي الله عنهم ـ وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق آخر عن ابن عباس ، وابن المنذر عن سعيد بن جبير ومحمد بن عمر عن يزيد بن رومان ـ رحمهمالله تعالى ـ أن بني عمرو بن عوف بنوا مسجدا فبعثوا إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم يأتيهم فيصلي فيه ، فلما رأى ذلك ناس من بني غنم بن عوف فقالوا : نبني نحن أيضا مسجدا كما بنوا ، فقال لهم أبو عامر الفاسق قبل خروجه إلى الشام : ابنوا مسجدكم واستمدوا فيه بما استطعتم من قوة وسلاح ؛ فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجيش من الروم فأخرج محمدا وأصحابه. فكانوا يرصدون قدوم أبي عامر الفاسق ، وكان خرج من المدينة محاربا لله تعالى ولرسوله صلىاللهعليهوسلم فلما فرغوا من مسجدهم أرادوا أن يصلي فيه رسول الله صلىاللهعليهوسلم ليروج لهم ما أرادوه من الفساد والكفر والعناد ، فعصم الله تبارك وتعالى رسوله صلىاللهعليهوسلم من الصلاة فيه ، فأتى جماعة منهم لرسول الله صلىاللهعليهوسلم وهو يتوجه إلى تبوك ، فقالوا : يا رسول الله إنا بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة ، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه قال : «إني على جناح سفر وحال شغل ، وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا لكم فيه» فلما رجع رسول الله صلىاللهعليهوسلم من غزوة تبوك ونزل بذي أوان ـ مكان بينه وبين المدينة ساعة ـ أنزل الله سبحانه وتعالى : (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً ...) الآية.
روى البيهقي في الدلائل عن ابن عمر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ في قوله تعالى : (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً) هم أناس من الأنصار ، ابتنوا مسجدا ، فقال لهم أبو عامر : ابنوا مسجدكم واستمدوا ما استطعتم من قوة ومن سلاح فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم ، فآتي بجند من الروم فأخرج محمدا وأصحابه. فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلىاللهعليهوسلم فقالوا : فرغنا من بناء مسجدنا ونحن نحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة ، فأنزل الله عزوجل : (لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) ـ يعني مسجد قباء ـ (أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ) إلى قوله : (عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) قال الحافظ ابن حجر : والجمهور على أن المسجد المراد به المسجد الذي أسس على التقوى مسجد قباء ، ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
