ثم الترك على قبول الجزية جائز ، وإن كان الأمر قد تقدم بالقتل من غير أن يكون دليل ، إما لأجل ذلك المال نقاتل ، كما كتب على كل نفس الموت.
ثم قد يتركون على ما هم عليه من اختلاف الأديان وتفرق الأهواء ، وإن كان لا يدل ذلك على الإقرار بما هم عليه ، والرضا بما اختاروا ، فمثله في الأول لا يدل على الرضا بكفرهم ، ولا على القتال لأخذ تلك الأموال منهم.
ثم الأصل أن القتال لم يجعل ليكون [القتل](١) عقوبة للكفر ؛ إذ نوع القتل ومعناه قد يوجد في الأخيار والأشرار جميعا ، وهو الموت ثبت أنه لم يجعل لذلك ، ولكن لوجهين :
أن يضطرهم إلى الإجابة على ما فيه نجاتهم وبه نيل كرامة الأبد ، وكان ذلك بعد أن ألزمناهم كل أنواع الحجج ، فلم يقنعهم ، قاتلناهم بما كان الذي يمنعهم عن النظر في الحجج حب اللذات وألذها الحياة ، قاتلنا حتى ييأسوا (٢) عن تلك اللذة المانعة عن النظر في الحجج ، والصادة عن الإجابة فتزول عنهم.
وفي قبول الجزية ـ قيل ـ بعض الذل والصغار الذي تنفر عنه الطباع ، ويدعو إلى ما فيه الزوال ، فينظرون في الحجج ، ويقبلون ما دعوا إليه ؛ فتكون به نجاتهم ، وزيادة لنا في الكرامة.
والثاني : [أن](٣) المحن كلها منقسمة على الحسنات والسيئات ، والخيرات والشرور ؛ ولذلك جعل الموت والحياة ، وعلى ذلك جميع أمور الدنيا هو التقلب على مختلف الأحوال ، فمثله الدعاء إلى الإسلام يكون مرة بمحاجة إليه ، ومرة باللسان ، ومرة بالترك ، لا أن جعل شيء من ذلك لشيء ، ولكن بما عليه أمر المحن ؛ ليتذكر به وجود [الموعود بالآثار له في أحوال المحن ، فعلى هذا أمر القتال في قوم ، والعفو عن قوم ، والدعاء إلى الإسلام في قوم ، وإلى قبول](٤) الذل في قوم على ما في علم الله من المصلحة ، وعلى ما عليه حق الحكمة.
ثم الفرق بين مشركي العرب وغيرهم يخرج على وجوه :
أحدها : أنهم قد كانوا أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم ، فجاءهم ، فكذبوه ، ثم أقسموا لئن جاءهم نذير ليؤمنن به ، فجاءتهم آيات
__________________
(١) سقط في أ.
(٢) في أ : يأنسوا.
(٣) سقط في أ.
(٤) سقط في أ.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
