قيل : إن الذمي إذا اجتمع عليه الجزية سنتين ، فصار إلى حال لا يجوز أن يلزم في الابتداء في مثلها أكثر من اثني عشر درهما لفقره ـ لم يجز أن يلزم أكثر منها ؛ لأنه جعل حكم مستدبر الجزية التي وجبت ، فأسلم (١) صاحبها حكم الابتداء في توظيف الجزية عليه ، فوجب أن يجعل حكم مستدبر من أتت عليه سنتان حكم ابتدائه ، وأصله أن الجزية إنما جعلت لحقن الدم ، فإذا مضت سنة ، صار دمه محقونا في السنة الماضية ؛ لذلك لم تؤخذ.
وقوله : (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ...) إلى آخره.
تضمنت هذه الآية أحكاما : منها الأمر بقتال من لم يؤمن بالله واليوم الآخر ، وهم يقرون بالأمرين ، لكنه يخرج على وجوه ثلاثة :
أحدها : أنهم مشبهة من تشبيههم الله بخلقه احتمل قولهم القول له بالولد ؛ إذ الذين شهدوا من الخلائق على ذلك وجدوا بولد بعض من بعض ، وإذا كان كذلك فهو غير مؤمن ـ في الحقيقة ـ بالله الذي هو الحق حتى يؤمنوا به ، وأنه به تكون الآخرة دون الذي ادعوه.
والثاني : أن الذي جبل عليه الخلق هو تعظيم رسل الملوك وأجلتهم حتى يوجد من بر الرسل بين ملوك قد ظهرت بينهم العداوة ، فلما كذبوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم مع البراهين التي قد أعجزت الخلائق ، وشهادة كتبهم به ، وتظاهر من عرفوا أنهم يكذبون بكتبهم وبرسلهم على من صدق بذلك ـ ثبت أنهم في الحقيقة مكذبون جميع الرسل والكتب وإن أظهروا الوفاق ، وأن ذلك لا يكون إلا لتكذيب (٢) منهم بالله ؛ فعلى ذلك إيمانهم بالله يكون بإيمانهم بالرسل ، وعلى ذلك روي عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم في وفد عبد قيس أنه قال : «آمر بأربع : آمركم بالإيمان بالله» ، ثم قال : «أتدرون ما الإيمان بالله؟ أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله» (٣) ؛ فلذلك لم يكن إيمانهم بالله إيمانا حتى يؤمنوا برسول الله ، وعلى هذا يحاربون.
والثالث : أن يكون نفى عنهم الإيمان بنفي منفعة الإيمان عنهم ؛ إذ أقل المنفعة به الإيمان برسله ، والقبول عنهم بالتعظيم ، فإذا ظهرت منهم هذه المنفعة تركوا القتال.
__________________
(١) في أ : فحكم.
(٢) في أ : التكذيب.
(٣) أخرجه البخاري (١ / ١٧٦) كتاب الإيمان باب أداء الخمس من الإيمان (٥٣) وأطرافه في (٨٧ ، ٥٢٣ ، ١٣٩٨ ، ٣٠٩٥ ، ٣٥١٠ ، ٤٣٦٨ ، ٤٢٦٩ ، ٦١٧٦ ، ٧٢٦٦ ، ٧٥٥٦) ، ومسلم (١ / ٤٦ ـ ٤٨) في كتاب الإيمان باب الأمر بالإيمان بالله تعالى (٢٣ / ١٧) وأحمد في المسند (١ / ٢٢٨).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
