فهو كالاتفاق منهم على ذلك.
ثم لا يحتمل أن يكون عمر قدر ذلك التقدير رأيا منه ؛ لأن المقدرات (١) والمحدودات سبيل معرفتها التوقيف والسمع ، لا العقل ؛ فهو كالمسموع عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم (٢).
__________________
(١) في أ : المقدورات.
(٢) الصحابة هم الذين تلقوا عن الرسول صلىاللهعليهوسلم أقواله وأفعاله وتقريراته وشاهدوا أحواله وعلموا سيرته ... إلخ ، وكلفوا بالتبليغ والعمل فكانت لهم اجتهادات فيما عملوا به وأفتوا غيرهم للعمل به ، فإذا أسندوا ما بلغوه إلى الرسول فهو مرفوع لا شك فيه ، أما إذا لم يسندوه إلى الرسول فهل هو من اجتهادهم أو هو مما أخذوه عن الرسول صلىاللهعليهوسلم؟ وكان الصحابة كذلك مخالطين لأهل الكتاب ، وكانوا يستعينون برواياتهم في فهم بعض قصص القرآن وأخبار الغيب ، فهل ما قالوه في ذلك مأخوذ عن أهل الكتاب ، أو مما تلقوه عن الرسول صلىاللهعليهوسلم؟
لذلك قسموا ما جاء عنهم ولم يسندوه إلى الرسول صلىاللهعليهوسلم إلى قسمين :
(١) قسم يمكن أن يكون فيه مجال للاجتهاد والرأي ، أو يمكن نقله عن أهل الكتاب ، فلم يجعلوه في حكم المرفوع.
(٢) وقسم لا يمكن أن يكون فيه مجال للاجتهاد والرأي ، ولا يمكن أن يكون منقولا عن أهل الكتاب ، فلم يكن له مصدر إذا إلا النقل عن الرسول صلىاللهعليهوسلم ، فجعلوه في حكم المرفوع.
مثاله قول ابن مسعود : (من أتى ساحرا أو عرافا فقد كفر بما أنزل على محمد صلىاللهعليهوسلم) فقد حكم ابن مسعود على من أتى ساحرا أو عرافا بالكفر بما أنزل على محمد صلىاللهعليهوسلم ، وهو حكم شرعي لا مصدر له إلا أن يكون منقولا عن الشارع ، وليس محل اجتهاد ؛ لأن إتيان الساحر والعراف ليس فيه ما يوجب الكفر ، وظاهر أنه ليس له تعلق بأخبار أهل الكتاب.
ومثاله : صلاة علي كرم الله وجهه في صلاة الكسوف ، حيث صلى في كل ركعة أكثر من ركوعين ، وهذا أيضا ليس للرأي فيه مجال ، ولا هو من أخبار أهل الكتاب.
وقد يتردد النظر في بعض ما نقل عنهم ، ومن ذلك حكم الصحابي على فعل من الأفعال أنه طاعة لله ولرسوله ، أو معصية كذلك ؛ كقوله : «من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم».
فالزركشي نقل عن ابن عبد البر أنه في حكم المرفوع.
أما البلقيني فقال : الأقرب أن هذا ليس بمرفوع ؛ لجواز إحالة الإثم على ما ظهر من القواعد.
ومن ذلك حديث المغيرة : (كان أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقرعون بابه بالأظافير) قال الحاكم : هذا يتوهمه من ليس من أهل الصنعة مسندا لذكر رسول الله صلىاللهعليهوسلم فيه ، وليس بمسند بل هو موقوف ووافقه الخطيب.
وقال ابن الصلاح : بل هو أحرى باطلاعه صلىاللهعليهوسلم ، وتأول كلام الحاكم بأنه ليس بمسند لفظا ، وإنما جعلناه مرفوعا من حيث المعنى.
وعلى هذه القاعدة ينزل ما جاء عنهم في تفسير كتاب الله تعالى : فإذا كان التفسير يتعلق بسبب نزول آية يخبر به الصحابي ؛ كقول جابر ـ رضي الله عنه ـ كانت اليهود تقول : من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول ، فأنزل الله عزوجل (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) الآية [البقرة : ٢٢٣] فهذا مسند مرفوع للنبي صلىاللهعليهوسلم ، وكذلك كل ما أسند تفسيره للرسول صلىاللهعليهوسلم ؛ كتفسيره لقوله تعالى : (وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ) أي بشرك.
أما إذا كان التفسير فيه مجال للرأي ، بأن يكون مستندا فيه لقواعد اللغة العربية في الفهم والاستنباط ، فهذا موقوف لا مرفوع ، وكذلك ما كان مستندا فيه لقول أهل الكتاب. أما ما تردد كقولهم : نزلت هذه الآية في كذا فهو محل نظر العلماء ، فهل يجري مجرى المسند كما لو ذكر ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
