والثالث : على البشارة ؛ أي : إذا قلتم لهم ذلك فلا يقربوا بعد ذلك.
وقوله : (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) أي : أفعال المشركين نجس ، والعبادات التي يأتون فيها نجس ، وهو ما ذكر حيث قال : (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ) [المائدة : ٩٠] ، صير عمل الشيطان رجسا ؛ فعلى ذلك العبادات التي يقيمونها نجسة ، فالنهي عن الحج نهي عن إقامة العبادات لغير الله ؛ لأن تلك البقعة نزهت عن إقامة العبادة لغير الله.
ثم اختلف في قوله : (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) قال بعضهم (١) : هو نجس الأفعال.
وقال بعضهم (٢) : هو نجس الأحوال.
والأشبه أن يكون نجس الأفعال ؛ لأن قوله : (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) يخرج مخرج الذم ، ولا يحتمل أن يذموا ويشتموا بنجاسة الأحوال ؛ دل أنه إنما لحقهم ذلك الذم بما اكتسبوا من الأفعال الذميمة ، وهو كقوله : (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ) [المائدة : ٩٠] رجس نجس ؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله : (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) ، أي : نجسة الأفعال ؛ لأن ذلك من كسبهم ، فاستوجبوا (٣) المذمة لكسبهم ، وأما الأحوال فلا صنع لهم فيها.
وقوله : (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ).
قيل : خافوا من العيلة لما نفي المشركون من مكة ؛ لأن معايش أهل مكة إنما كانت من الآفاق ، وبأهل الآفاق كانت (٤) سعتهم وتجارتهم ، لكن الله وعدهم السعة والغنى (٥) بقوله : (فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ) ، قال بعضهم : دل قوله : (إِنْ شاءَ) على أنه إنما وعدهم الإغناء في بعض الأوقات.
وقال بعضهم : قوله : (إِنْ شاءَ) كان من رسول الله ؛ لأنه أمر رسوله أن يعدهم الإغناء ، وهو مأمور أن يستثني في جميع ما يعده ؛ بقوله : (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) [الكهف : ٢٣ ، ٢٤].
ويحتمل أن يكون قوله : (فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ) : بهؤلاء الذين نفوا
__________________
(١) انظر : تفسير الخازن والبغوي (٣ / ١٠٠).
(٢) انظر : تفسير الخازن والبغوي (٣ / ١٠٠).
(٣) في أ : فليستوجبوا.
(٤) في ب : كان.
(٥) في أ : الغناء.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
