نفسها (١) للحج وإقامة العبادات ؛ دليله وجوه : أحدها : قوله : (بَعْدَ عامِهِمْ هذا) ولو كان لدخول المسجد ، لكان ذلك العام أحق عن المنع في دخوله من غيره.
والثاني : [قوله : (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ).
والثالث : قوله : «ألا لا يحجن بعد العام مشرك». وفي آخر الآية دلالة ذلك ؛ لأنه قال:](٢)(وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ) ، وخوف العيلة (٣) إنما يكون عن دخول مكة ؛ لأنه لو كان النهي عن دخول المسجد نفسه ، لكان لا خوف عليهم في ذلك ؛ لأنهم يحضرون ويدخلون مكة للتجارة ، فلا خوف عليهم في ذلك.
أو أن يقال : إنه ذكر المسجد الحرام ؛ لما أنهم كانوا يقصدون البيت والحج به ، فيكون النهي عن دخول المسجد نهيا عن الحج نفسه ، وهو ما روي في الخبر أنه بعث عليّا في الموسم بأربع ، وأمره أن ينادي في الناس ألا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فأجله إلى مدته ، فإذا مضت مدته [فإن الله](٤) برىء من المشركين ورسوله ، ولا يطوفن بالبيت عريان ، ولا يحج بعد العام مشرك.
فالنهي الذي ورد عن دخول المسجد إنما هو نهي عن الحج نفسه ؛ لأن البيت هو الذي يقصد إليه فيه.
ألا ترى أنه قال : (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ...) الآية [آل عمران : ٩٧] ، وقال : (فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ ...) الآية [البقرة : ١٥٨] ، وقال : (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) ، [الحج : ٢٩] ذكر البيت ، وهو المقصود بالحج في الإسلام والكفر جميعا ؛ فعلى ذلك خرج النهي ، لكنه ذكر المسجد ؛ لما أن البيت فيه.
فإذا كان ما ذكرنا : فإن شئت فاجعل آخر الآية تفسير أولها ، وهو قوله : (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ) ، وهو ما ذكرنا أن النهي لو كان لدخول المسجد
__________________
(١) في ب : نفسه.
(٢) سقط في أ.
(٣) يقال : عال يعيل عيلة فهو عائل ، أي افتقر ، ومنه قوله تعالى : (وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى) أي أزال عنك فقر النفس ، وجعل لك الغنى الأكبر المعني بقوله صلىاللهعليهوسلم : «إنما الغنى غنى النفس». وقيل : معناها : وجدك فقيرا إلى رحمته وعفوه فأغناك بما غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، ولا غنى أفضل من ذلك. ويقال : ما عال من اقتصد ، أي افتقر من سلك في نفقته القصد ، كقوله : (لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا) الآية [الفرقان : ٦٧].
ينظر : عمدة الحفاظ (٣ / ١٧٦).
(٤) في أ : فإنه.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
