__________________
ـ في ذلك حديثا رواه الدارقطني أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم لما أجلى يهود بني النضير قالوا : إن لنا ديونا لم تحل فقال : «ضعوا وتعجلوا». وإسناده حسن ليس فيه إلا مسلم بن خالد الزنجى ، وحديثه لا ينحط عن رتبة الحسن.
فإن دعت الحاجة إلى الإقامة لبيع بضاعته فوق ثلاث ففيه وجهان : أحدهما : يجوز له ذلك ؛ لأن في تكليفه تركها أو حملها معه ضياع ماله ، وذلك يمنع الدخول بالبضائع ويضر بأهل الحجاز ، ويقطع الجلب عنهم ، وهذا هو الصحيح. والثاني : يمنع من الإقامة ؛ لأن له منها بدّا ، فإن أراد الانتقال إلى مكان آخر من الحجاز جاز ، ويقيم فيه ثلاثة أيام أو أربعة ، ولا يدخلون إلا بإذن من الإمام أو نائبه. وقيل : يكفي إذن آحاد المسلمين ، هذا حكم غير الحرم.
قال أصحاب الإمام أحمد رحمهمالله تعالى : ولا يمنعون من تيماء وفدك ونجران ونحوهن. وقد تقدم الحديث المصرح بأن نجران من جزيرة العرب. قالوا : فإن دخلوا غير الحرم لم يجز إلا بإذن مسلم. وأما الحرم فيمنعون دخوله بكل حال ولا يجوز للإمام أن يأذن في دخوله ، فإن دخل أحدهم فمرض أو مات أخرج ، وإن دفن نبش. وهل يمنعون من حرم المدينة ، حكي عن أحمد ـ رحمهالله تعالى ـ فيه روايتان كما تقدم ، وقد صح عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه أنزل وفد نصارى نجران في مسجده وحانت صلاتهم فصلوا فيه ، وذلك عام الوفود بعد نزول قوله تعالى : (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا)[التوبة : ٢٨] ، فلم تتناول الآية حرم المدينة ولا مسجدها.
وأما تفصيل مذهب مالك ـ رحمهالله تعالى ـ فإنهم يقرون عنده في جميع البلاد إلا جزيرة العرب : وهي مكة والمدينة وما والاهما. وروى عيسى بن دينار عنه دخول اليمن فيها. وروى ابن حبيب أنها من أقصى عدن وما والاها من أرض اليمن كلها إلى ريف العراق في الطول ، وأما في العرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام ، ومصر في المغرب والمشرق ، وما بين المدينة إلى منقطع السماوة. ولا يمنعون من الاجتياز بها مسافرين ، ولكن لا يقيمون.
وأما أبو حنيفة ـ رحمهالله تعالى ـ فعنده : لهم دخول الحرم كله حتى الكعبة نفسها ، ولكن لا يستوطنون به. وأما الحجاز فلهم الدخول إليه والتصرف فيه والإقامة بقدر قضاء حوائجهم ، وكأن أبا حنيفة ـ رحمهالله تعالى ـ قاس دخولهم مكة على دخولهم مسجد رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، ولا يصح هذا القياس ، فإن لحرم مكة أحكاما يخالف بها المدينة ، على أنها ليست عنده حرما.
فإن قيل : الله سبحانه إنما منع المشركين من قربان المسجد الحرام ، ولم يمنع أهل الكتاب منه : ولهذا أذن مؤذن النبي صلىاللهعليهوسلم يوم الحج الأكبر : (أنه لا يحج بعد العام مشرك) والمشركون الذين كانوا يحجون هم عبدة الأوثان لا أهل الكتاب ، فلم يتناولهم المنع.
قيل : للناس قولان في دخول أهل الكتاب في لفظ المشركين ، فابن عمر وغيره كانوا يقولون : هم من المشركين. قال عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ : لا أعلم شركا أعظم من أن يقول : المسيح ابن الله وعزير ابن الله ، وقد قال تعالى فيهم : (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)[التوبة : ٣١]. والثاني : لا يدخلون في لفظ (المشركين) ؛ لأن الله سبحانه جعلهم غيرهم في قوله : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا)[الحج : ١٧] قال شيخنا : (والتحقيق أن أصل دينهم دين التوحيد ، فليسوا من المشركين في الأصل ، والشرك طارئ عليهم ، فهم منهم باعتبار ما عرض لهم ، لا باعتبار أصل الدين ، فلو قدر أنهم لم يدخلوا في لفظ الآية دخلوا في عمومها المعنوي ، وهو كونهم نجسا ، ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
