حقيقة يباح في حال إضرار عند خوف الهلاك وذهاب الدين ، فيجوز أن يكون قوم أسروا الإيمان في أنفسهم وكتموه ، ويظهرون الموافقة لهم في الظاهر ؛ إشفاقا على دينهم ، وخوفا على أنفسهم ، فيباح لهم ذلك ؛ لما ذكرنا.
فلما أن جعل الله الهجرة ، وجعل للمؤمنين مأوى وأنصارا يلجئون ويأوون إليهم ـ لم يعذروا في إظهار الموافقة لهم ، وإن كانوا في السر ليسوا على دينهم ؛ لما ذكرنا.
فهذا يدل على أن من أجرى كلمة الكفر على لسانه في غير اضطرار يصير كافرا (١) ؛ على ما جعل هؤلاء أولياء الكفرة حقيقة ظلمة مثلهم إذا (٢) تولوهم في الظاهر ، وإن لم يكونوا في الحقيقة كذلك ، وهذا أشبه ، وهو ما قال ـ عزوجل ـ : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ ...) الآية [النساء : ٩٧] ، لم يعذروا في تركهم الهجرة ؛ فعلى ذلك هؤلاء إذا أظهروا الموافقة لهم بعد ما جعل لهم المأوى والأنصار ، صاروا هم ـ في الحقيقة ـ كذلك ، نهانا عن موالاة الكفرة جملة بقوله : (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ) [آل عمران : ٢٨] وقال (٣) : (لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ) [المائدة : ٥١] ، وقال : (لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ) [الممتحنة : ١] هذا النهي لنا في جملة الكافرين ، ثم نهانا عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء ؛ كقوله : (لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ) [المائدة : ٥١] ، ثم نهانا أن نوالي المتصلين من الآباء والأمهات وغيرهم من القرابات ؛ لما تقع (٤) الشبه في موالاة المختصين بهم ، وفخص النهي فيه ، وكذلك في تخصيص اليهود والنصارى ؛ لما بيننا وبينهم موافقة في التوحيد والكتب ، فخص النهي في ذلك.
ثم الولاية التي نهانا عنها تخرج على وجوه :
__________________
(١) وصار مرتدّا وهناك أفعال رخص الشارع في فعلها عند الضرورة ، إلا أنه لو صبر المكره على تحمل الأذى ، ولم يفعلها حتى مات ، كان مثابا من الله تعالى ، وذلك كالكفر بالله تعالى أو الاستخفاف بالدين ، فإذا أكره الإنسان على الإتيان بشيء من ذلك جاز له الفعل متى كان قلبه مطمئنا بالإيمان ؛ لقول الله عزوجل : (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ) [النحل : ١٠٦].
ومن السنة ما جاء بإسناد صحيح عند الحاكم والبيهقي وغيرهما عن محمد بن عمار عن أبيه : «أخذ المشركون عمار بن ياسر ، فلم يتركوه حتى سب النبي صلىاللهعليهوسلم ، وذكر آلهتهم بخير ، فلما أتى النبي صلىاللهعليهوسلم قال : ما وراءك؟ قال : شر ، يا رسول الله ، ما تركت حتى نلت منك ، وذكرت آلهتهم بخير ، قال صلىاللهعليهوسلم : فكيف تجد قلبك؟ قال : مطمئنا بالإيمان ، قال صلىاللهعليهوسلم : فإن عادوا فعد».
ينظر : جواهر الإكليل (٢ / ٣) ، والمهذب (٢ / ٧٩) ، والقليوبي على المنهاج (٣ / ٣٥٩) ، والتقرير والتجبير (٢ / ١٤٧) ، وفتح القدير (٧ / ٢٩٧) ، والمبسوط (٢٤ / ١٣٩).
(٢) في أ : إذ.
(٣) في أ : كقوله.
(٤) في ب : لما يقع.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
