__________________
ـ يكون أراد بذلك الإمامة.
وقوله عليه الصلاة والسلام لعلي : «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» قالوا : ومنزلة هارون معروفة وهو أنه كان مشاركا له في النبوة ، ولم يكن ذلك لعلي ، وكان أخا له ولم يكن ذلك لعلي ، وكان خليفة ؛ فعلم أن المراد به الخلافة.
وقد قال القرطبي في الجواب عن الحديث الأول : إنه وإن كان صحيحا فليس فيه ما يدل على إمامته وإنما يدل على فضيلته ؛ وذلك أن المولى بمعنى الولي فيكون معنى الخبر : من كنت وليه فعلي وليه قال تعالى : (فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ)[التحريم : ٤] أي وليه ، وكان المقصود من الخبر أن يعلم الناس أن ظاهر علي كباطنه وذلك فضيلة عظيمة لعلي.
وله في ذلك جواب ثان : وهو أن هذا الخبر ورد على سبب ؛ وذلك أن أسامة وعليّا اختصما ، فقال علي لأسامة : أنت مولاي فقال : لست مولاك بل أنا مولى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فذكر للنبي صلىاللهعليهوسلم فقال : «من كنت مولاه فعلي مولاه».
وهناك جواب ثالث : وهو أن عليّا ـ رضي الله عنه ـ لما قال للنبي صلىاللهعليهوسلم في قصة الإفك في عائشة ـ رضي الله عنها ـ : «النساء سواها كثير» شق ذلك عليها ، فوجد أهل النفاق مجالا فطعنوا عليه وأظهروا البراءة منه ، فقال النبي صلىاللهعليهوسلم هذا المقال ردّا لقولهم وتكذيبا لهم فيما قدموا عليه من البراءة منه والطعن فيه.
وأما الحديث الثاني فلا خلاف أن النبي صلىاللهعليهوسلم لم يرد بمنزلة هارون من موسى الخلافة بعده ، ولا خلاف أن هارون مات قبل موسى عليهماالسلام وما كان خليفة بعده وإنما كان الخليفة يوشع بن نون ، فلو أراد بقوله : «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» الخلافة لقال : أنت مني بمنزلة يوشع من موسى ، فلما لم يقل هذا دل على أنه لم يرد الخلافة ، وإنما أراد أني أستخلفك على أهلي في حياتي وغيبوبتي عن أهلي كما كان هارون خليفة موسى على قومه لما خرج إلى مناجاة ربه. وقد قيل : إن هذا الحديث خرج على سبب وهو أن النبي صلىاللهعليهوسلم لما خرج إلى غزوة تبوك استخلف عليّا عليهالسلام في المدينة على أهله وقومه ، فأرجف أهل النفاق وقالوا إنما خلفه بغضا له فخرج علي فلحق بالنبي صلىاللهعليهوسلم وقال له : إن المنافقين قالوا كذا وكذا فقال : «كذبوا بل خلفتك كما خلف موسى هارون» وقال : «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟!». وإذا ثبت أنه أراد الاستخلاف على زعمهم فقد شارك عليّا في هذه الفضيلة غيره ؛ لأن النبي صلىاللهعليهوسلم استخلف في كل غزاة غزاها رجلا من أصحابه ، منهم ابن أم مكتوم ومحمد بن سلمة وغيرهما من أصحابه وروى في مقابلته لأبى بكر وعمر ما هو أولى منه ، وروي أن النبي صلىاللهعليهوسلم لما أنفذ معاذ بن جبل إلى اليمن قيل له : ألا تنفذ أبا بكر وعمر. فقال : «إنهما لا غنى بي عنهما إن منزلتهما من الرأس بمنزلة السمع والبصر» ، وقال : «هما وزيراي في أهل الأرض» ، وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : «أبو بكر وعمر بمنزلة هارون من موسى» ، وهذا الخبر ورد ابتداء وخبر علي ورد على سبب ، فوجب أن يكون أبو بكر أولى منه بالإمامة.
ومن الخفي عندهم : بعث النبي صلىاللهعليهوسلم عليّا لقراءة سورة براءة في الموسم حين أنزلت فإنه بعث بها أولا أبا بكر ، ثم أوحى إليه : ليبلغه رجل منك أو من قومك ، فبعث عليّا ليكون القارئ المبلغ.
فهذه كلها أدلة شاهدة بتعيين على للخلافة دون غيره ، ومن هذه الأدلة ما هو غير معروف ومنها ما هو بعيد عن تأويلاتهم.
ثم منهم من يرى أن هذه النصوص تدل علي تعيين علي وتشخيصه ، وكذلك تنتقل منه إلى من بعده وهؤلاء هم الإمامية ويتبرءون من الشيخين حيث لم يقدموا عليّا ويبايعوه بمقتضى هذه النصوص ويغمصون في إمامتهما. ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
