أحدها (١) : أن إخوانكم الذين لم يهاجروا إذا استنصروكم على عدوهم فلم تنصروهم ، تكون فتنة في الأرض وفساد كبير ، أي : إن لم تكونوا بعضكم أعوانا وأنصارا لبعض ، على ما كان أهل الكفر بعضهم أنصارا لبعض غلبكم (٢) العدو وقهركم ، فيكون في ذلك فتنة وفساد ، ويكون كقوله : (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ).
وقال بعضهم (٣) : قوله : (إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ) ملحق بقوله : (إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ) ، أي : إذا (٤) استنصركم إخوانكم على قوم بينكم وبينهم ميثاق (٥) فنصرتموهم ، تكن فتنة وفساد كبير.
وقال بعضهم (٦) : قوله : (إِلَّا تَفْعَلُوهُ) فيما أمركم به من جعل التوارث فيما بين المؤمنين ، وجعلتم الميراث والتوارث فيما بينكم وبين الكفار (تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ) ؛ لأن الله ـ عزوجل ـ ذكر المواريث ، ثم ذكر في آخر الآية : (تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ) [النساء : ١٣] ، وما ذكر من ترك حدود الله ، وطاعة رسوله ، وجعل الميراث في غير ما أمر ـ عزوجل ـ (تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ).
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا). أي : ضموا رسول الله والمهاجرين ونصروهم.
(أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا).
أي : المهاجرون والأنصار الذين ضموا (أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) ؛ لما حققوا إيمانهم بأعمالهم ؛ لأنهم هاجروا من بلادهم وأهلهم وأموالهم ؛ إشفاقا على دينهم ، واستسلاما له ، وأجابوا رسول الله وأطاعوه في ذلك ، وأولئك الأنصار ضموهم إلى أنفسهم وأنزلوهم في منازلهم ، وبذلوا لهم أنفسهم وأموالهم ، ونصروهم على عدوهم ، فقد حققوا جميعا إيمانهم بأعمالهم التي عملوا.
ويحتمل قوله : (أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) أي : صدقا في السر والعلانية ، ليس كإيمان
__________________
(١) وهذا أولى هذه الأقوال ؛ لأن المسلمين ما لم يصيروا يدا واحدة على الشرك كان الشرك ظاهرا ، والفساد زائدا في الاعتقادات والأعمال ، والله أعلم.
(٢) في أ : عليكم.
(٣) أخرجه بمعناه ابن جرير (٦ / ٢٩٨) (١٦٣٦٢) ، وكذا ذكره البغوي في تفسيره (٢ / ٢٦٤).
(٤) في أ : أي إن.
(٥) في أ : عهد.
(٦) أخرجه ابن جرير (٦ / ٢٩٨) (١٦٣٦٣) عن ابن عباس بنحوه ، وذكره السيوطي في الدر (٣ / ٣٧٣) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
