وجل ـ رسوله أن ينكل هؤلاء ؛ ليكون ذلك عبرة وزجرا لمن بعدهم إن لم يكن ذلك لهم زجرا ، فيكون في تنكيل هؤلاء منفعة لغيرهم ، إذا رأي غيرهم أنه فعل بهؤلاء ما ذكر يكون ذلك زجرا لهم عن مثل صنيعهم ؛ ولهذا قال : (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) [البقرة : ١٧٩] ، من رأى أنه يقتل به امتنع عن قتل آخر ، فيكون في ذلك حياة الخلق.
وكذلك جعل الله في (١) القتال مع العدو ونصب الحرب فيما بينهم رحمة ؛ لأن في الطباع النفار عن القتل ، فإذا رأى أنه يقتل بتركه الإسلام أجاب إلى ذلك ؛ إشفاقا على نفسه ، وخوفا على تلف مهجته (٢) ، فيكون في القتال رحمة ، وكذلك جميع ما جعل الله فيما بين الخلق من العقوبات في النفس وما دون النفس جعل زواجر وموانع عن المعاودة إلى مثله ؛ فعلى ذلك قوله : (فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ) : عظة وزجرا لمن بعدهم.
(لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ).
لكي يذكروا النكال فلا ينقضوا العهد ، وكذلك كل مرغوب في الدنيا ومرهوب جعل دواعي وزواجر لموعود في الآخرة ، وجعل كل لذيذ وشهي في الدنيا لما وعد في الآخرة [في الجنة](٣) ، وكل كريه وقبيح زاجرا له عن الموعود في الآخرة في النار ؛ على هذا بناء أمر الدنيا.
والتشريد : قال أبو عبيدة (٤) : معناه من التفرقة (٥) ، أي : فرق بهم.
__________________
(١) في ب : من.
(٢) في ب : نفسه.
(٣) سقط في أ.
(٤) معمر بن المثنى ، التيمي بالولاء ، البصري ، أبو عبيدة ، النحوي : من أئمة العلم بالأدب واللغة ، مولده ووفاته في البصرة ، استقدمه هارون الرشيد إلى بغداد سنة ١٨٨ ه وقرأ عليه أشياء من كتبه ، قال الجاحظ : لم يكن في الأرض أعلم بجميع العلوم منه. وكان إباضيا ، شعوبيا ، من حفاظ الحديث.
قال ابن قتيبة : كان يبغض العرب وصنف في مثالبهم كتبا ، ولما مات لم يحضر جنازته أحد ؛ لشدة نقده معاصريه ، وكان مع سعة علمه ، ربما أنشد البيت فلم يقم وزنه ، ويخطئ إذا قرأ القرآن نظرا ، له نحو ٢٠٠ مؤلف ، منها : «نقائض جرير والفرزدق» ، و «مجاز القرآن» ، و «العققة والبررة» ، و «مآثر العرب» و «المثالب» و «فتوح أرمينية» ، و «ما تلحن فيه العامة» ، و «أيام العرب» و «الإنسان» و «الزرع» و «الشوارد» و «معاني القرآن» و «طبقات الفرسان» و «طبقات الشعراء» و «المحاضرات والمحاورات» و «الخيل» و «الأنباذ» و «إعراب القرآن» و «القبائل» ، و «الأمثال» ، و «تسمية أزواج النبي صلىاللهعليهوسلم وأولاده».
ينظر : الأعلام للزركلي (٧ / ٢٧٢) ، وبغية الوعاة (٣٩٥) ، وأخبار النحويين البصريين (٦٧).
(٥) ينظر مجاز القرآن (١ / ٢٤٨).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
