وقوله : (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ).
(الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) هو كما ذكر في آية أخرى : (أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُ) ، أخبر أن الذين كفروا وكذبوا بآياته أضل من الأنعام ، وقد ذكرنا فائدة قوله : (بَلْ هُمْ أَضَلُ) في موضعه.
ويحتمل قوله : (شَرَّ الدَّوَابِ) أي : شر من يدب على وجه الأرض من الممتحنين (الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) ، ثم ليكونوا بهذا الوصف إذا ختموا بالكفر وترك الإيمان.
ثم اختلف فيه :
قال بعضهم (١) : نزل في بني قريظة ؛ حيث عاهدوا رسول الله ، ثم أعانوا مشركي مكة على رسول الله بالسلاح وغيره ، فأقالهم رسول الله ، وكانوا يقولون : نسينا وأخطأنا ، ثم عاهدهم ثانية ، فنقضوا العهد ، فذلك قوله : (ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ) : نقض العهد ، أو لا يتقون الشرك.
وقال بعضهم : نزل قوله : (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ ...) إلى آخر الآية ، في المردة والفراعنة من الكفار ، كانوا عقلوا ما سمعوا ودرسوا ، ولكن غيروه فلم يؤمنوا به ؛ على هذا حمل أهل التأويل تأويل الآية إلى ما ذكرنا ، وإلا صرف الآية إلى أهل النفاق أولى ؛ لأنهم هم المعروفون بنقض العهد مرة بعد مرة.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ).
قيل : تأمرنهم في الحرب.
وقيل : تلقينهم في الحرب.
وقيل (٢) : تجدنهم في الحرب.
(فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ).
قيل (٣) : نكل بهم من بعدهم ، أي : اصنع بهم ما ينكلون من خلفهم ، أي : يمتنعون.
وقيل (٤) : فعظ بهم من خلفهم ، أي : من سواهم.
الآية نزلت في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون ، وكانت عادتهم نقض العهد ، فأمر ـ عز
__________________
(١) ذكره البغوي في تفسيره (٢ / ٢٥٧) ونسبه للكلبي ومقاتل ، والرازي في تفسيره (١٥ / ١٤٦) ونسبه لابن عباس ، والسيوطي في الدر (٣ / ٣٤٧) وعزاه لأبي الشيخ عن سعيد بن جبير.
(٢) انظر : تفسير الخازن والبغوي (٣ / ٥٦).
(٣) أخرجه ابن جرير (٦ / ٢٧١) (١٦٢٢٧) ، (١٦٢٢٨) و (١٦٢٣٢) عن ابن عباس ، وعن غيره ، وذكر له السيوطي في الدر (٣ / ٣٤٧) طرقا عنه.
(٤) أخرجه ابن جرير (٦ / ٢٧١) (١٦٢٢٩) عن قتادة.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
