قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(٤٥) وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)(٤٧)
وقوله ـ عزوجل ـ : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا).
قيل : الفئة : اسم جماعة ينحاز إليها ، وهو من الفيء والرجوع ، يفيئون إليها ويرجعون.
ذكر ـ هاهنا ـ الفئة ، [وذكر في الآية التي تقدمت الزحف ، وهو قوله : (إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً) مكان الفئة](١) ، ونهى أولئك عن تولية الأدبار بقوله : (فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ) ، وقال هاهنا : (فَاثْبُتُوا) ؛ ليعلم أن في النهي عن تولية الأدبار أمر بالثبات ، وفي الأمر بالثبات نهي عن تولية الأدبار ، فيكون في النهي عن الشيء أمر بضده ، والأمر بالشيء نهي عن ضده (٢) ، والله أعلم.
__________________
(١) سقط في ب.
(٢) قد اختلف العلماء في التعبير عن هذا :
فمنهم من عبر عنه بقوله : «الأمر بالشيء نهي عن ضده» ، أو : «يستلزم النهي عن ضده».
ومنهم من عبر بقوله : «وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه».
ولكي نستطيع الموازنة بين هاتين العبارتين نذكر الفرق بين الضد والنقيض ؛ لورودهما فيهما. وبيانه : أن كل واجب كالقعود مثلا المطلوب بقولنا : «اقعد» له أمران منافيان له : أحدهما : يسمى «ضدا» ، والآخر يسمى «نقيضا» ، وكل منهما يغاير الآخر ؛ لأن النقيض ينافي الواجب بذاته ، وهو عدم القعود ؛ حيث إن النقيضين هما الأمران اللذان أحدهما وجودي ، والآخر عدمي ، لا يجتمعان ولا يرتفعان ، كالقعود وعدمه ، في المثال الذي قدمناه ، بخلاف الضد كالقيام ؛ فإنه ينافيه بالعرض ، أي : باعتبار أنه يحقق المنافي بذاته ، وهو النقيض ؛ لأن الضدين هما الأمران الوجوديان اللذان لا يجتمعان ، وقد يرتفعان كالقعود والقيام ؛ فإنهما لا يجتمعان في شخص واحد في وقت واحد ، وقد يرتفعان ، ويأتي بدلهما الاضطجاع مثلا ، إلا أن كل واحد من أضداد القعود يحقق النقيض ، وهو عدم القعود ؛ لأنه فرد من أفراده ، فلم يكن التنافي بين الواجب وضده ذاتيا ؛ بل لأن أحدهما يقتضي نقيض الآخر الذي ينافيه بالذات ، وهذا إذ كان النقيض له أفراد هي أضداد الواجب يحققه كل واحد منها.
أما إذا لم يكن له إلا فرد واحد هو ضد الواجب ، ولا يتحقق النقيض إلا به ـ اعتبر ذلك الضد مساويا للنقيض كالحركة والسكون ، فإن السكون يساوي عدم الحركة ؛ لأن عدم الحركة لا تحقق إلا بالسكون ، وأخذ مع ضده حكم النقيض ؛ فلا يجتمعان ولا يرتفعان ؛ إذ لا تجتمع حركة وسكون في وقت واحد في شيء واحد ، ولا يرتفعان كذلك ، بل لا بد أن يكون الشيء متصفا بأحدهما ، ضرورة أن الشيء الواحد لا يخلو عن حركة أو سكون.
والمدقق في هاتين العبارتين يجد بينهما ثلاثة فروق :
أولا ـ التعبير بقولهم : «وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه» لا يفيد إلا حكم النقيض في ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
