بقضائها ، وإذا ما تركوا ، فلما لم يجب عليهم أداء شيء من ذلك ، دل أنه لم يكن عليهم في حال كفرهم فعل تلك العبادات ، إنما عليهم اعتقاد تلك العبادات ؛ إذ لو كانت عليهم لكان الانتهاء بقضاء ذلك ؛ كقوله ـ عليهالسلام ـ : «من نام عن صلاة أو نسيها ، فعليه أن
__________________
ـ «والخلاف إما في الجواز ، وإما في الوقوع ، أما الجواز العقلي فواضح ؛ إذ لا يمتنع أن يقول الشارع : بني الإسلام على خمس وأنتم مأمورون بجميعها ، وبتقديم الإسلام من جملتها ؛ فيكون الإيمان مأمورا به لنفسه ، ولكونه شرطا لسائر العبادات كما في المحدث».
وللعلماء في تكليف الكفار بفروع الشريعة مذاهب :
المذهب الأول :
يرى أصحاب هذا المذهب أن الكفار مكلفون بفروع الشريعة مطلقا ، أي أداء واعتقادا حال عدم الإيمان.
وهذا هو ظاهر مذهب الشافعي ، ورأي الجمهور من أصحابه ، كما هو مذهب العراقيين من الحنفية ، وإليه ذهب أكثر المعتزلة ، والمراد بالتكليف عند هؤلاء : هو أن الكافر مكلف بفعل الواجب وترك الحرام على جهة اللزوم ، أي : أن المكلف ملزم بفعل الواجب وترك الحرام.
وأما المندوب والمكروه من الأحكام ، فالكافر مكلف فيهما بالاعتقاد ؛ لأنه لا عقاب عليهما في الآخرة ؛ ولذا عبر في جانبهما بالاعتقاد ، ومن المعلوم أن المباح لا يتعلق به إلا اعتقاد كونه مباحا ، حيث إن المكلف مخير فيه بين الفعل والترك ، وعلى ذلك فلا يمكن القول بأن الكافر مكلف بالمباح.
المذهب الثاني :
يقول أصحاب هذا المذهب : إن الكفار غير مكلفين بفروع الشريعة مطلقا ، وهذا هو رأي أبي حنيفة ومن معه من مشايخ ديار ما وراء النهر ، وهو المختار أيضا عند متأخري الحنفية ، وعند أبي إسحاق الأسفرائيني من الشافعية ، وإليه ذهب القاضي أبو زيد والإمام السرخسي وفخر الإسلام البزدوي.
أما البخاريون من الحنفية فيرون أن الكافر غير مكلف بفروع الشريعة أداء فقط ، أما بالنسبة للاعتقاد فهو مكلف به ؛ إذ الكافر عندهم مكلف باعتقاد اللزوم فقط.
المذهب الثالث :
يقول أصحاب هذا المذهب : إن الكفار مكلفون بالنواهي فقط دون الأوامر ، وبيانه : أن الكافر لدى هؤلاء مكلف بترك الزنى والقتل والسرقة ، وغير ذلك من النواهي التي نص عليها الشارع الحكيم ، وأما الأوامر فالكافر ليس مكلفا بها.
المذهب الرابع :
يرى أصحاب هذا المذهب أن المرتد مكلف ، دون الكافر الأصلي فليس مكلفا عندهم.
المذهب الخامس :
هذا المذهب ذكره الأسنوي في كتابه حكاية عن القرافي حيث قال : ومر بي في بعض الكتب التي لا أستحضرها الآن أن الكفار مكلفون بما عدا الجهاد. وأما الجهاد فلا يكلفون به ؛ لامتناع قتالهم أنفسهم ، دون تعليق من أحد على هذا المذهب.
وأدلة كل هؤلاء تنظر في : آراء الأصوليين في تكليف الكفار بفروع الشريعة وأثره في الفقه للدكتور مصطفي فرج ، وأصول السرخسي (١ / ٧٣ ـ ٧٤) ، والتمهيد في تخريج الفروع على الأصول للإسنوي ص (٢٨) ، وشرح البدخشي (١ / ١٥٥) ، وتيسير التحرير للكمال بن الهمام (٢ / ٢٨٤) ، والتفسير الكبير للرازي (١٥ / ٢٦).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
