ويحتمل : يستر عليهم معاصيهم التي كانت منهم ، ولا يذكرون ذلك ؛ لأنهم لو ذكروا ذلك تنغص عليهم النعم.
وفيه دلالة نقض قول المعتزلة ؛ لأنه أخبر أنهم إن انتهوا وتابوا غفر لهم ما قد كان منهم ، وإنما كانوا منتهين بالإيمان ، ولم يجعل بين الإيمان والكفر منزلة ثالثة ، وهم يجعلون بينهما منزلة ثالثة ، ويقولون : إذا ارتكب كبيرة خرج من الإيمان ، ويخلد في النار أبدا ، ولم يكن داخلا في الكفر.
وفيه دليل نقض قول من يقول بأن على الكافر فعل العبادات ؛ من نحو الصلاة ، والزكاة ، والصيام (١) ؛ لأنه ذكر الانتهاء ، والانتهاء عما كان من ترك العبادات القيام
__________________
(١) لا نزاع بين الأصوليين في أن الكفار مخاطبون بالأمر بالإيمان ؛ لأن النبي صلىاللهعليهوسلم بعث إلى الناس كافة لدعوة الإيمان ، كما قال تعالى في كتابه الكريم : (قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).
أما الأمر الثاني فهو أنه لا خلاف بينهم في أن الكفار مخاطبون بالمشروع من العقوبات كالحدود والقصاص عند تقرر أسبابها ؛ لأنها للزجر وهم أليق بها ، ولأجل ذلك تقام هذه العقوبات على أهل الذمة عند تقرر أسبابها ؛ لأنها تقام عليهم بطريق الخزي والعقوبة لتكون زاجرة عن الإقدام على أسبابها ، وباعتقاد حرمة السبب يتحقق ذلك ، ولا تنعدم الأهلية لإقامة ذلك عليه بطريقه ، بل هو جزاء وعقوبة فيكون بالكفار أليق منه بالمؤمنين.
وأما الأمر الثالث : فإنه لا خلاف أيضا أن الخطاب بالمعاملات يتناولهم ؛ حيث إن المطلوب بها معنى دنيوي ، وذلك بالكفار أليق فقد آثروا الدنيا على الآخرة ، كما أنهم ملتزمون لذلك بموجب عقد الذمة ؛ إذ إن عقد الذمة يقصد به التزام أحكام المسلمين ، فيما يرجع إلى المعاملات فيثبت حكم الخطاب بها في حقهم كما يثبت في حق المسلمين ؛ نظرا لوجود الالتزام فيما يعلم بالدليل أنهم غير ملتزمين له مثل عدم قضاء العبادات التي تركوها في أيام الكفر ؛ لقيام الدليل على أنهم غير ملتزمين لهذا القضاء ، وذلك لقوله تعالى : (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ) ، كما يدل على ذلك قول الرسول صلىاللهعليهوسلم : «الإسلام يجب ما قبله».
وأما الأمر الرابع : فإنه لا خلاف في أن الخطاب بالشرائع كالصوم والصلاة والزكاة وغير ذلك يتناولهم في حكم المؤاخذة في الآخرة ؛ لأن الأمر يوجب شيئين : اعتقاد اللزوم ، والأداء.
والكفار ينكرون اعتقاد اللزوم ، وهذا كفر منهم بمنزلة إنكار التوحيد ؛ فإن صحة التصديق والإقرار بالتوحيد لا يكون مع إنكار شيء من الشرائع ، فإذا ثبت أن الكافر ترك شيئا من الشرائع استحلالا وجحودا ، يكون كفرا منه ، ظهر أنه معاقب عليه في الآخرة ، كما هو معاقب على أصل الكفر ، وهذا هو المراد بقوله تعالى : (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ) أي لا يقرون بها.
وقال تعالى : (ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) أي : من المسلمين المعتقدين فرضية الصلاة ، فهذا هو معنى قولنا : إن الخطاب يتناولهم جميعا ، فيما يرجع إلى العقوبة في الآخرة.
كما أنه لا نزاع بين الأصوليين في عدم جواز صحة الأداء في حالة الكفر وعدم وجوب القضاء عليهم بعد الإسلام ؛ حيث إن الإسلام يجب ما قبله ؛ وفي هذا أيضا يحدثنا الغزالي في كتابه المستصفى فيقول : ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
