قيل : (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ) ، أي : اتقوا أن تكونوا فتنة للذين ظلموا ؛ كقوله : (رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) [الممتحنة : ٥](رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [يونس : ٨٥] ، ووجه جعله إياهم فتنة للذين كفروا : هو أن يجعل العدو غالبا عليهم منتصرين وهم المغلوبون ، فيظنون أنهم على حق والمؤمنون على باطل ؛ فذلك معنى دعائهم : (رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [يونس : ٨٥] ؛ لئلا يقولوا : لو كانوا على حق ما غلبوا ، ولا قهروا ، ولا انتصر منهم.
وقيل : قوله : (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا) : نهى الأتباع منهم ؛ أن يسعوا فيما بين الظلمة بالفساد ، ولا يغري بعضهم على بعض ، فيقع فيما بينهم الفساد ، فيكون هؤلاء الأتباع فتنة للذين ظلموا بإغراء بعضهم على بعض ، وذلك معروف فيما بين الخلق في الظلمة ، يغري الأتباع بعضهم على بعض ؛ فذاك فتنة.
ويحتمل وجها آخر : وهو أن الله ـ تعالى ـ يغير الأحوال في الخلق : مرة سعة وخصبا ، ومرة قحطا وضيقا ، ومرة غلبة العدو على الأولياء ، ونحوه ، ويدفع العذاب عن الظلمة بمن لم يظلم ما لم يشاركوا الظلمة ، فإذا شاركوا أولئك يحل بأولئك بظلمهم ، وأهل الصلاح والعدل بتركهم الظلمة ، وأهل الفساد ولهم قوة المنع لهم عن ذلك ؛ فيقول : (لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) ، ولكن تصيبهم وتصيبكم ، فقال : (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) أخذ الظلمة (١) العذاب لمشاركة أهل العدل أولئك ، فيكونون فتنة لهم ؛ كقوله : (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) [البقرة : ٢٥١].
أو أن يدفع عن الظلمة البلاء والعذاب ما دام أهل العدل يأمرونهم بالمعروف ، ويغيرون عليهم المنكر ، فإذا تركوا [ذلك](٢) ولا يغيرون عليهم المنكر ، نزل بهم البلاء ، فيعمهم البلاء ، الظالم وغيره.
والفتنة على وجهين :
[الأول] فتنة الجزاء ، جزاء أعمالهم ، وتلك تأخذ أهلها خاصة.
و [الثاني] فتنة المحنة ، وتلك تعم الخلق ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ ...) الآية.
__________________
(١) في ب : أحدا لظلمة.
(٢) سقط في أ.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
