إن أهل الإسلام في ابتداء الأمر كانوا قليلي (١) العدد ، مستضعفين عند الكفرة ، حتى كانوا يخافون أن يسلب الكفرة أرواحهم ، وكانوا لا يأمنون على أنفسهم بالمقام في البلدان (٢) ؛ لقلة عددهم وضعفهم ؛ خوفا على أنفسهم وإشفاقا فتركوا المقام بالبلدان ، وخرجوا إلى الجبال والغيران (٣) ، فأقاموا فيها ، وأكلوا الحشيش والكلأ (٤) طعام الأنعام ؛ خوفا على أبدانهم وإشفاقا على دينهم ، ثم إن الله ـ عزوجل ـ آواهم ، وأنزلهم في البلدان والأمصار ، وأيدهم ونصرهم على عدوهم ، ورزقهم الطيبات طعام البشر بعد ما أكلوا الحشيش طعام البهائم. (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) : ليلزمهم الشكر على ذلك ، ولا يجوز لهم ألا يشكروا بعد ما أصابوا ؛ ذكر هذا ـ والله أعلم ـ لنكون نحن من الإشفاق في الدين مثل أولئك حين هربوا منهم ، واتخذوا الجبال والغيران بيوتا ، والحشيش طعاما ، وتركوا أموالهم ونعمهم ، ورضوا بذلك ؛ إشفاقا على دينهم.
وقال عامة أهل التأويل (٥) : نزلت الآية في أهل بدر ، وكانوا قليلي (٦) العدد والعدة ، ضعيفي الأبدان ، والعدو كثير العدد ، وقوي الأبدان ، فاشتد عليهم الخروج لذلك ؛ كقوله : (كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ ...) الآية [الأنفال : ٥] ، فكيفما كان ففيه ما ذكرنا ، والله أعلم.
وقوله : (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ).
أي : إذ كنتم قليلا.
وفيه دلالة لقول أبي حنيفة (٧) ـ رحمهالله ـ فيمن قال : هذا الشيء لفلان اشتريته منه ، صدق ، ويصير كأنه قال : هذا الشيء كان لفلان اشتريته منه ؛ دليله قوله : (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ) أي : إذ كنتم قليلا.
وقوله : (وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ).
على هذا التأويل [أي](٨) : بالملائكة.
__________________
(١) في ب : قليل.
(٢) في أ : البلد.
(٣) جمع «الغار» ، وهو كل منخفض من الأرض. ينظر : المعجم الوسيط (٢ / ٦٦٥) [غار].
(٤) الكلأ : مهموز مقصور ، وهو العشب وقد كلئت الأرض وأكلأت ، فهي مكلئة وكلئة : أي : ذات كلأ ، وسواء يابسه ورطبه. ينظر : النظم المستعذب (١ / ١٦٥).
(٥) أخرجه ابن جرير (٦ / ٢١٨) (١٥٩٢٩) عن قتادة أو الكلبي (١٥٩٣٤) عن السدي. وذكره السيوطي في الدر (٣ / ٣٢٢) وعزاه لابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن السدي.
(٦) في ب : قليلين.
(٧) ينظر : بدائع الصنائع (٦ / ٢٢٣).
(٨) سقط في أ.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
