خاصة».
أي : اتقوا الفتنة التي تصيب الظلمة منكم خاصة بظلمهم ، وهي العذاب ؛ كقوله : (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ) [آل عمران : ١٣١] ؛ فعلى ذلك قوله : واتقوا فتنة تصيبن الذين ظلموا في الآخرة ، وهي العذاب ، وذلك جائز في الكلام ؛ نحو ما قرأ بعضهم قوله : (وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ) [الأنعام : ١٠٩] ، بكسر الألف وطرح (لا) (أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ) ، أي : أنها وإن جاءت لا يؤمنون.
وأما على إثبات (لا) : فإنه يحتمل وجوها :
__________________
ـ وقيل : «لا تصيبن» جواب قسم محذوف ، والجملة القسمية صفة ل «فتنة» أي : فتنة والله لا تصيبن ، ودخول النون أيضا قليل ؛ لأنه منفي.
وقال أبو البقاء : «ودخلت النون على المنفي في غير القسم على الشذوذ» ، وظاهر هذا أنه إذا كان النفي في جواب القسم يطرد دخول النون ، وليس كذلك ، وقيل : إن اللام لام التوكيد والفعل بعدها مثبت ، وإنما أشبعت فتحة اللام ، فتولدت ألفا ، فدخول النون فيها قياس ، وتأثر هذا القائل بقراءة جماعة كثيرة : «لتصيبن» ، وهي قراءة أمير المؤمنين ، وابن مسعود ، وزيد بن ثابت ، والباقر ، والربيع ابن أنس ، وأبي العالية ، وابن جماز.
وممن وجه ذلك ابن جني ، والعجب أنه وجه هذه القراءة الشاذة بتوجيه يردها إلى قراءة العامة ، فقال : «يجوز أن تكون قراءة ابن مسعود ، ومن ذكر معه مخففة من «لا» يعني حذفت ألف «لا» تخفيفا واكتفي بالحركة».
قال : «كما قالوا : أم والله ، يريدون : أما والله».
قال المهدوي : «كما حذفت من «ما» وهي أخت «لا» في نحو : أم والله لأفعلن ، وشبهه».
قوله : «أخت لا» ليس كذلك ؛ لأن «ما» هذه للاستفتاح ، ك «ألا» ، وليست من النافية في شيء ؛ فقد تحصل من هذا أن ابن جني خرج كلا القراءتين على الأخرى ، وهذا لا ينبغي أن يجوز البتة ، كيف يورد لفظ نفي ، ويتأول بثبوت وعكسه؟! هذا مما يقلب الحقائق ، ويؤدي إلى التعمية.
وقال المبرد ، والفراء ، والزجاج في قراءة العامة «لا تصيبن» : الكلام قد تم عند قوله : «فتنة» ، وهو خطاب عام للمؤمنين ، ثم ابتدأ نهي الظّلمة خاصة عن التعرض للظلم فتصيبهم الفتنة خاصة ، والمراد هنا : لا يتعرض الظالم للفتنة فتقع إصابتها له خاصة.
قال الزمخشري في تقدير هذا الوجه : «وإذا كانت نهيا بعد أمر ، فكأنه قيل : واحذروا ذنبا أو عقابا ثم قيل : لا تتعرضوا للظلم فيصيب العقاب أو أثر الذنب من ظلم منكم خاصة».
وقال علي بن سليمان : هو نهي على معنى الدعاء ، وإنما جعله نهيا بمعنى الدعاء ؛ لأن دخول النون في النفي ب «لا» عنده لا يجوز ؛ فيصير المعنى : لا أصابت الفتنة الظالمين خاصة ، واستلزمت الدعاء على غير الظالمين ؛ فصار التقدير : لا أصابت ظالما ولا غير ظالم ؛ فكأنه قيل : واتقوا فتنة لا أوقعها الله بأحد.
وقد تحصلت في تخريج هذه الكلمة أقوال : النهي بتقديريه ، والدعاء بتقديريه ، والجواب للأمر بتقديريه ، وكونه صفة بتقدير القول.
ينظر : اللباب (٩ / ٤٩١ ـ ٤٩٣) ، أمالي الزجاج (٢٣٣) ، والدر المصون (٣ / ٤١١ ، ٤١٢) ، والبحر المحيط (٤ / ٤٧٨) ، والكشاف (٢ / ٢١١ ـ ٢١٢) ، والإملاء لأبي البقاء (٢ / ٥).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
