خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٥) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(٢٦)
وقوله ـ عزوجل ـ : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ).
قال بعضهم : هذه الآية صلة قوله : (كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ) [الأنفال : ٥] ، يقول ـ والله أعلم ـ : أجيبوا لله وللرسول إلى ما يدعوكم ، وإن كانت أنفسكم تكره الخروج لذلك ؛ لقلة عددكم ، وضعف أبدانكم ، وكثرة عدد العدو وقوتهم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ).
بالذكر ، والشرف والثناء الحسن في الدنيا ، والحياة في الآخرة اللذيذة الدائمة ، وإن متم وهلكتم فيما يدعوكم إليه ، يكون لكم في الآخرة حياة الأبد.
ويحتمل أن تكون الآية في جملة المؤمنين ، أي : استجيبوا لله في أوامره ونواهيه ، وللرسول فيما يدعوكم إليه ، وإنما كان يدعو إلى دار الآخرة ؛ كقوله ـ تعالى ـ : (وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ) [يونس : ٢٥] ودار الآخرة هي دار الحياة ؛ كقوله : (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) [العنكبوت : ٦٤] ؛ كأنه قال ـ والله أعلم ـ : أجيبوا لله وللرسول ، فإنه إنما دعاكم إلى ما تحبون فيها ، ليس كالكافر الذي لا يموت فيها ، ولا يحيا بتركه الإجابة.
(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ).
يخرج على وجهين :
يحول بين قلب المؤمن وبين الكفر.
ويحول بين الكافر والإيمان.
وقوله : (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ).
أمكن أن يخرج هذا على الأول ، أي : اعلموا أنّ الله يحول بين المرء وقلبه ، يجعل القوي ضعيفا ، والعزيز ذليلا ، والضعيف قويا ، والذليل عزيزا ، والشجاع جبانا ، والخائف آمنا ، والآمن خائفا ، فأجيبوا للرسول بالخروج للجهاد (١) ، وإن كنتم تخافون لضعفكم
__________________
(١) الجهاد ، مصدر : جاهد يجاهد ، مجاهدة وجهادا ، كقاتل يقاتل ، مقاتلة وقتالا ، وهو مأخوذ من الجهد ـ بالضم ـ أي : الوسع والطاقة أو الجهد ـ بالفتح ـ أي : المشقة أو المبالغة والغاية. قال الراغب في مفردات القرآن : والجهاد ، والمجاهدة : استفراغ الوسع في مدافعة العدو. وهي كلمة إسلامية تستعمل بمعنى الحرب عند بقية الأمم ، إلا أنها قد تطلق بمعناها اللغوي الأعم على مجاهدة النفس ، ويكون ذلك بتعلم أمور الدين ، والعمل بها ، وتعليمها ، ومجاهدة الشيطان بدفع ما يأتي به ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
