وقوتهم.
ويحتمل في جملة المؤمنين ، أي : من أجاب لله وللرسول إذا دعاه ، يجعل قلبه هو الغالب على نفسه ، والحائل بينه وبين ما تدعو إليه النفس ، وإذا ترك الإجابة ، يجعل نفسه هي الحائلة بينه وبين ما يدعو إليه قلبه والداعية إلى ذلك (وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ).
وقيل (١) : (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) : بالطاعة في أمر القتال ، (إِذا دَعاكُمْ) : إلى الحرب ، (لِما يُحْيِيكُمْ) يعني : بالحرب التي أعزكم الله ؛ يقول : أحياكم الله بعد الذل ، وقواكم بعد الضعف ، وكان ذلك حياة.
(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) يخرج على وجهين :
أحدهما : يستعجل التوبة (٢) قبل أن ينزل به الموت ؛ يقول : أجيبوا لله وللرسول قبل أن
__________________
ـ من الشبهات وما يزينه من الشهوات. كما تطلق على مجاهدة الفساق ، وسبيل ذلك منعهم باليد ثم اللسان ثم القلب ، كما جاء في الحديث الشريف : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان» ، وتطلق على مجاهدة الكفار وقتالهم باليد ، والمال ، واللسان ، قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ) ، وقال صلىاللهعليهوسلم : «جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم» رواه أحمد وأبو داود ، إلا أن لفظ الجهاد أصبح حقيقة شرعية عند الإطلاق في بذل الجهد في قتال الكفار لإعلاء كلمة الله. ينظر لسان العرب ، وتاج العروس مادة (جهد) ، وفتح القدير (٤ / ٢٧٧) ، وكشاف القناع (٣ / ٣٦).
(١) أخرجه ابن جرير (٦ / ٢١٢) ، (١٥٨٨٧) عن ابن إسحاق بنحوه ، وذكره البغوي في تفسيره (٢ / ٢٤٠).
(٢) التوبة في اللغة : العود والرجوع ، يقال : تاب ، إذا رجع عن ذنبه وأقلع عنه. وإذا أسند فعلها إلى العبد يراد به رجوعه من الزلة إلى الندم ، يقال : تاب إلى الله توبة ومتابا : أناب ورجع عن المعصية ، وإذا أسند فعلها إلى الله ـ تعالى ـ يستعمل مع صلة (علي) يراد به رجوع لطفه ونعمته على العبد والمغفرة ، يقال : تاب الله عليه : غفر له وأنقذه من المعاصي ؛ قال الله تعالى : (ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).
وفي الاصطلاح ، التوبة هي : الندم والإقلاع عن المعصية من حيث هي معصية ، لا لأن فيها ضررا لبدنه وماله ، والعزم على عدم العود إليها إذا قدر.
وعرفها بعضهم بأنها الرجوع عن الطريق المعوج إلى الطريق المستقيم.
وعرفها الغزالي بأنها : العلم بعظم الذنوب ، والندم والعزم على الترك في الحال والاستقبال والتلافي للماضي.
وهذه التعريفات وإن اختلفت لفظا هي متحدة المعنى. وقد تطلق التوبة على الندم وحده ؛ إذ لا يخلو عن علم أوجبه وأثمره وعن عزم يتبعه ؛ ولهذا قال النبي صلىاللهعليهوسلم : «الندم توبة». والندم : توجع القلب وتحزنه لما فعل وتمني كونه لم يفعل.
قال ابن قيم الجوزية : التوبة في كلام الله ورسوله كما تتضمن الإقلاع عن الذنب في الحال ، والندم عليه في الماضي ، والعزم على عدم العود في المستقبل ـ تتضمن أيضا العزم على فعل المأمور والتزامه ، فحقيقة التوبة : الرجوع إلى الله بالتزام فعل ما يجب وترك ما يكره ؛ ولهذا علّق سبحانه وتعالى الفلاح المطلق على التوبة حيث قال : (وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
