بالاكتساب ، ولم يكتسبوها ، إنما لهم الحواس الظاهرة.
أو يقول : شر الدواب التي لم ينتفعوا بالذي ذكر من الحواس ، وتركوا استعمالها ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ).
قيل : نزلت الآية في المردة من الكفرة (١).
وقال ابن عباس (٢) : هم نفر من بني عبد الدار (٣) ، كانوا يسألون رسول الله آية بعد آية ، وقد أعطاهم آية بعد آية قبل ذلك لم يقبلوها ، فقال : (وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً) أنهم يقبلون جواب المسائل التي سألوا ، لأوحى إليهم ولأسمعهم ، ولكن علم أنهم وإن أسمعهم جواب مسائلهم ـ لا يقبلون.
وقالت المعتزلة : دلت الآية أنه قد أعطاهم جميع ما كان عنده ، لكنهم لم يقبلوا ؛ لأنه قال : (وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ) ، فدل أنه لم يكن عنده ما يعطي ، وإلا لو كان عنده ما يقبلون لأسمعهم.
لكن هذا بعيد ؛ لأنه لم يقل : لو علم الله عنده خيرا لأسمعهم ، ولكن قال : (وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً) ، فإنما نفى أن عندهم خيرا.
والوجه فيه ما ذكرنا أنه لو علم فيهم خيرا يعملون به لأوحى إليهم وأسمعهم ، لكنه علم أنهم لا يقبلون بقوله : (وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) ، أي : مكذبون بجواب ما سألوا تعنتا وتمردا منهم ، وأخبر أنهم يسألون سؤال تعنت وتمرد ، لا سؤال استرشاد.
قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ
__________________
(١) ذكره السيوطي في الدر (٣ / ٣١٩) وعزاه لابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب ، بنحوه.
(٢) أخرجه ابن جرير (٦ / ٢١٠) (١٥٨٧٣ ، ١٥٨٧٤) عن ابن عباس وفي (١٥٨٧٥) عن مجاهد.
وذكره السيوطي في الدر (٣ / ٣١٩) وزاد نسبته للفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ، ولعبد بن حميد وأبي الشيخ عن قتادة.
(٣) عبد الدار بن قصي : بطن من بني قصي بن كلاب ، من العدنانية ، وهم : بنو عبد الدار بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة : عمرو بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. وفي النسبة إلى عبد الدار ثلاثة مذاهب : عبدي ، وعبداري ، وعبدري. من أمكنتهم : كوثي ، وهي محلة بمكة.
ينظر : صبح الأعشى للقلقشندي (١ / ٣٥٦) القاموس للفيروزآباديّ (١ / ١٧٣) ، تاريخ أبي الفداء (١ / ١١٤) ، نهاية الأرب للنويري (٢ / ٣٥٨) ، الفائق للزمخشري (١ / ١٤٥).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
