(كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا) [بذلك (وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) أي : لا يجيبون ، ولا يسمعون ، ولا يؤمنون](١).
ويحتمل أن يكون : (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا) : الآيات والحجج ، (وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) أي : لا ينتفعون بسماعهم ، أو لا يعقلون كالدواب وغيرها.
قال أبو بكر الأصم : قوله : (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) استثقالا ، وبغضا ؛ أي : لا يستمعون إليه ؛ لأن من استثقل شيئا وأبغضه (٢) لم يستمع إليه ؛ كقوله : (لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ) [فصلت : ٢٦].
وقوله ـ عزوجل ـ : (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ).
تأويله ـ والله أعلم ـ : أن الذي هو [من](٣) شر الدواب عند الله هو الأصم الذي لا ينتفع بسمعه ، والأبكم الذي لا ينتفع بلسانه ونطقه ؛ لأنهم لم ينتفعوا بسمعهم لما جعل له السمع ، ولم ينتفعوا بنطقهم لما جعل له النطق ، ولم ينتفعوا بعقلهم لما جعل له العقل ، فهم شر الدواب ؛ كقوله : (أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُ) [الأعراف : ١٧٩] وأشر ؛ لأن الدواب والأنعام انتفعت بهذه الحواس لما جعلت لها هذه الحواس ، عرفت بهذه الحواس المهالك والمضار فتوقت عنها ، وعرفت الملاذ والمنافع بها فترغب فيها وتقع ، فانتفعت الدواب بالحواس التي جعلت لها لما جعلت ، ولم يجعل لها هذه الحواس إلا للمقدار الذي عرفت وفهمت وانتفعت ، وهؤلاء الكفرة لم ينتفعوا بالحواس التي جعلت لهم لما جعلت له ذلك ؛ ليعرفوا النافع لهم والملاذ في العاقبة كذلك ويعرفوا الضار لهم في العاقبة والمهلك فيتوقوا عنه ، فلم ينتفعوا بحواسهم لما جعلت الحواس ، والدواب انتفعت بها ؛ لذلك كانوا أضل وأشر [منها](٤).
وقوله ـ عزوجل ـ : (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِ) الذين اكتسبوا الصمم الدائم والعمى الدائم ، وذلك في الآخرة ؛ كقوله : (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا) [الإسراء : ٩٧] ، وقوله : (اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ) [المؤمنون : ١٠٨] ، أي : تركوا اكتساب البصر الدائم ، والسمع الدائم ، [و](٥) الحياة الدائمة والباقية ، سماهم صمّا وبكما وعميا ؛ لما لم يكتسبوا بصر القلب ، ونطق القلب ، وسمع القلب ؛ فهذه هي الحواس التي تكون
__________________
(١) سقط في ب.
(٢) في ب : وأبغض.
(٣) سقط في أ.
(٤) سقط في أ.
(٥) سقط في أ.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
