__________________
ـ وحكم الآية باق بشرط الضعف الذي بينه الله ـ تعالى ـ في قوله : (فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ...) الآية والذي يؤيد أن الإشارة عامة في كل زحف : أن الآية نزلت بعد انقضاء الحرب وذهاب اليوم بما فيه.
واستدل الجمهور بقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ) ، وقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ، وقالوا : إن الآيات عامة في كل زحف وليست خاصة بغزوة بدر ، دل على ذلك ما صح في مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «اجتنبوا السبع الموبقات» ، وعد منها الفرار يوم الزحف ؛ فدل على حرمته في كل زحف وزمان ، غير أن هذه الحرمة مقيدة بأمرين :
أحدهما ـ ما دل عليه قوله تعالى : (إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ) ؛ فإنه متى قصد أحد هذين الأمرين من الفرار لم يكن محرما ، بل قد يكون واجبا إذا اقتضته المصلحة كضم قوة المسلمين بعضها إلى بعض.
ثانيهما ـ عدم زيادة الكفار على ضعف عدد المسلمين ، أما إذا زادوا على الضعف فاختلف الفقهاء في حكمه :
فذهب الحنابلة إلى جواز الفرار مطلقا ، وذهب المالكية إلى جوازه ما لم يبلغ جيش المسلمين اثني عشر ألفا غير مختلفين على أنفسهم ، فإن بلغوا هذا العدد مع الاتحاد حرم الفرار ، ونسبه الجصاص إلى الحنفية ، ورأى صاحب البدائع منهم أن العبرة بالقوة والاستعداد دون العدد ، فقال : والغزاة إذا جاءهم جمع من المشركين ما لا طاقة لهم به وخافوهم أن يقتلوهم فلا بأس لهم أن ينحازوا إلى بعض أمصار المسلمين أو إلى بعض جيوشهم ، والحكم في هذا الباب لغالب الرأي وأكبر الظن دون العدد ، فإن غلب على ظن الغزاة أنهم يقاومونهم يلزمهم الثبات ، وإن كانوا أقل عددا منهم ، وإن كان غالب ظنهم أنهم يغلبون فلا بأس أن ينحازوا إلى المسلمين ليستعينوا بهم وإن كانوا أكثر عددا من الكفرة.
وذهب ابن حزم إلى تحريم الفرار مهما بلغ العدد.
واستدل الشافعية والحنابلة بقوله تعالى : (الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ...) الآية ، ووجه الاستدلال : أنها دلت على وجوب ثبات المائة للمائتين بعد أن كان الواجب أن تثبت المائة للألف ، وذلك تخفيف من الله ورحمة. وعلى ذلك فإذا زاد الكفار على هذه النسبة جاز للمسلمين الفرار.
واستدل المالكية بما رواه الزهري عن أنس بن مالك عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم من حديث فيه طول : «ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة» ، ووجه الدلالة : أن النبي صلىاللهعليهوسلم يقول ما معناه : إذا بلغ جيشكم هذا العدد فلا تأتيه الهزيمة من جهة عدده ، وإنما تأتيه من وقوع الخلف بينكم ، فإذا كانت الهزيمة لا تأتي من العدد فلا يجوز الفرار.
وتمسك ابن حزم بظاهر قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ) ؛ فإنها تدل بظاهرها على وجوب الثبات مهما بلغ عدد العدو.
المناقشة :
يرد على الحديث الذي استدل به المالكية أنه غير صحيح ؛ فقد قال العلامة القرطبي : رواه بشر وأبو سلمة العاملي ، وهو الحكم بن عبد الله بن خطاف ، وهو متروك. وعلى فرض صحته فالمراد منه : أن الغالب على هذا العدد النصر أو الظفر ، ولا تعرض فيه لحرمة الفرار أو عدمها ، وبهذا يرد على المالكية والحنفية فيما نسبه الجصاص إليهم.
ويرد علي ابن حزم أن الأمر بعدم الفرار في الآية مخصص بألا يزيد العدد على ضعف عدد ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
