أنه إنما قام بالله ، لا بقوة نفسه ؛ إذ ليس في وسع أحد القيام لعشرة أو لجماعة بقوته إذا أحيط به ، فهو على الآية إن كان فيه ما ذكرنا ، والله أعلم.
وقوله (١) : (فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ).
والمتحرف للقتال : هو المتنقل من مكان إلى مكان للحرب ، والمتحيز (٢) إلى فئة : هو الملتجئ إلى فئة على جهة العود إليهم والحرب ، يقال : تحوزت وتحيزت ، بالواو والياء جميعا ، وهما تحوز الحرب.
وفيه النهي عن الانهزام والتولي عن العدو ، إلا ما ذكر من التحرف للقتال أو التحيز إلى الفئة على جهة العود إليهم (٣).
__________________
(١) في ب : ثم قوله.
(٢) قال تعالى : (أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ) أي : منضمّا إلى جماعة أخرى ، من : حازه ، يحوزه حوزا ، أي : ضمه واستولى عليه. وقيل : معناه : صار إلى حيز فئة ، والحيز : الناحية. وحمى حوزة الإسلام : أي ناحيته. وقيل : الحيز : كل جمع منضم بعضه إلى بعض ، وأصل متحيز : متحيوز ، فوزنه : متفيعل ، لا متفعّل ؛ إذ لو كان كذلك لقيل : تحوّز ، كتجوّز ، وتحوزت الحية ، وتحيزت : أي اجتمعت وتلوّت. والأحوزي : الذي حمى حوزته مشمرا ، وعبر به عن الخفيف السريع. ووصفت عائشة ـ رضي الله عنها ـ فقالت : «إن كان والله لأزيّا» قال أبو عمرو : هو الخفيف. وقال الأصمعي : الحسن السياق ، وفيه بعض النفار ، ويروى : «أحوذيّا» بالذال.
ينظر : عمدة الحفاظ (١ / ٥٣٧).
(٣) قال الله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) في هذه الآية ينهى الله المؤمنين عن الفرار من الكفار إذا التقوا بهم في القتال ، وحكمة ذلك أن الفرار كبير المفسدة وخيم العاقبة ؛ لأن الفار يكون كالحجر يسقط من البناء فيتداعى ويختل نظامه ؛ لهذا عد الشارع الحكيم الفرار من الزحف من أكبر الجنايات ، وقد توعد الله المقاتلين الذين يولون العدو ظهورهم ، فقال : (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ...) الآية.
وفي الفرار من العدو عار يجعل الحياة بغيضة عند النفوس الأبية ، قال يزيد بن المهلب : «والله إني لأكره الحياة بعد الهزيمة».
قال بعض العلماء : إن هذا النهي خاص بوقعة بدر ، وبه قال نافع والحسن وقتادة ويزيد بن أبي حبيب ، والضحاك ، ونسب إلى أبي حنيفة كما حكاه القرطبي.
وقال الجمهور ـ وهو المروي عن ابن عباس ـ : إن تحريم الفرار من الصف عند الزحف باق إلى يوم القيامة في كل قتال يلتقي فيه المسلمون والكفار.
وقد استدل الأولون بقوله تعالى : (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) فقالوا : إن الإشارة في قوله تعالى «يومئذ» إلى يوم بدر ، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى : (الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً).
وقد رد الجمهور عليهم بأن الإشارة فيه إلى يوم الزحف الذي تضمنه قوله تعالى : (إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ) أي : كل مرة تلقون فيها الكفار يحرم عليكم الفرار منهم ، ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
