ثم أخبر أن من ولى دبره بسوى ما ذكر (فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ).
قالت المعتزلة : دل ما أوعد المتحرف بغير قتال والمتحيز إلى غير الفئة بقوله : (فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ) ـ أن مرتكب الكبيرة يخلد في النار ؛ لأنه ذكر في أول الآية المؤمنين ، ولهم خرج الخطاب بقوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً) ، ثم أوعد لهم الوعيد الشديد ما يوعد أهل النار غير أهل الإيمان ؛ فدل (١) أنه يخرج عن الإيمان بارتكاب الكبيرة ، ويخلد في النار.
وقالوا : لا يجوز صرف الآية إلى أهل النفاق ؛ لما ذكر في القصة أنه لم يكن يوم بدر منافق.
لكن هذا غلط ؛ قال الله ـ تعالى ـ : (إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ) [الأنفال : ٤٩] ، وإنما قالوا ذلك يوم بدر ؛ كذلك ذكر ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ) ، فإن كان مستثنى من قوله : (فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ) ، لم يكن فيه رخصة التولي ، ولكن فيه دفع الوعيد الذي ذكر ، وإن كان مستثنى من قوله : (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ) ، ففيه رخصة التولي إلى ما ذكر.
ثم الدلالة على أنه مستثنى من هذا دون الأول ما جاء عن غير واحد من الصحابة توليه الدبر إلى ما ذكر ، وكذلك روي عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «أنا فئة لكل مسلم» (٢).
وبعد ، فإنه لم يكن لأهل الإسلام فئة يوم بدر يتحيزون إليها ، فدل أنها في المنافقين
__________________
ـ المسلمين كما أشارت إليه آية : (الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ).
وإذا نظرنا إلى أن الحكم في الحروب هو القدرة والاستعداد وأنهما تارة يكونان من جهة العدد وأخرى من جهة العدد وثالثة من جهتهما معا ـ وجب تطبيق التخفيف الذي أباح الله به للمؤمنين الفرار ، على ما تكون عليه حالة الجيوش من القوة والاستعداد ، فإذا كان الجيشان متكافئين في القوة وزاد عدد الكفار على الضعف جاز الفرار ، وإذا كان للمسلمين قوة واستعداد يكافئ زيادة عدد الكفار على الضعف أو يزيد عنها ، حرم الفرار ، وفي هذه الحالة يكون المعول عليه ـ كما قال صاحب بدائع الصنائع وغيره ـ : غالب الرأي وأكبر الظن دون العدد.
ينظر : بدائع الصنائع (٧ / ٩٨) ، بداية المجتهد (١ / ٤٠٤) ، نيل الأوطار (٧ / ٢١١) ، تفسير أبي السعود (٢ / ٢٣٤) ، روح المعاني للآلوسي (٢ / ٢٦٤).
(١) في ب : دل.
(٢) أخرجه أحمد في المسند (٢ / ٥٨) ، (٧٠) ، وأبو داود في سننه (٢ / ٥٢) كتاب الجهاد ، باب في التولي يوم الزحف (٢٦٤٧) ، والبيهقي في سننه (٩ / ٧٧) ، وابن أبي شيبة في مصنفه (١٢ / ٥٣٦) بنحوه.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
