فكأن قوله : (١)(مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) إما في أرداف الكفرة وهو المتتابع ، تابع أهل بدر المشركين وهم منهزمون ، أو أن يكون الإرداف الإمداد فيكون ألفان.
وقال بعض أهل التأويل : إن قوله : (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ) هو رسول الله ، وذلك أن النبي صلىاللهعليهوسلم [لما](٢) رأى كثرة المشركين ببدر علم أنه لا قوة لهم إلا بالله ، فدعا ربه وتضرع (٣) [إليه](٤) ، ولكن ذلك قولهم عندنا والله أعلم ، أعني قول المؤمنين ؛ ألا ترى أنه قال : (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ) [آل عمران : ١٢٤] بكذا والله أعلم بذلك ، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة ، سوى أن فيه البشارة لهم بالنصر والطمأنينة لقلوبهم وإنباء أن حقيقة النصر إنما يكون بالله لا بأحد سواه ، وذلك قوله : (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ) لا يذله شيء ولا يعجزه (حَكِيمٌ) في أمره ونهيه لا يأمر بشيء ولا ينهى عن شيء إلا وفيه حكمة ، وفائدة ما ذكر من بعث مدد ألف ملك وثلاثة آلاف ، وما ذكر لطمأنينة قلوب أولئك المؤمنين ، وإلا ملك واحد كاف لهم وإن كثروا لأنه يراهم ولا يرونه ، وإهلاك مثله سهل.
قوله تعالى : (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٣) ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ)(١٤)
وقوله ـ عزوجل ـ : (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) ذكر النعاس بعد شدة خوفهم ، والنعاس لا يكون ممن اشتد به الخوف ويغشيه إلا بعد الأمن ، فذكر لطفه ومنته الأمن بعد شدة الخوف ، ذكر عظيم ما من عليهم من الأمن لما ذكر من إلقاء النعاس عليهم والنعاس إنما يكون بعد الأمن ، بعد ما كان من حالهم ما ذكر حيث قال : (كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ).
__________________
(١) زاد في ب : بألف.
(٢) سقط في ب.
(٣) أخرجه مسلم (٥٨ / ١٧٦٣) ، وأحمد (١ / ٣٠ ، ٣٢) وعبد بن حميد (٣١) وأبو داود (٢٦٩٠) والترمذي (٣٠٨١) ، والطبري (١٥٧٤٧) ، والبزار (١٩٦) ، وابن حبان (٤٧٩٣) ، والبيهقي (٦ / ٣٢١) ، وفي الدلائل (٣ / ٥١ ـ ٥٢) عن عمر ابن الخطاب.
(٤) سقط في أ.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
