وصفهم بشدة الخوف كأنما يساقون إلى الموت وقد وعد لهم النصر والظفر بقوله : (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ) وكيف استغاثوا ربهم في ذلك وقد سبق منه لهم الوعد بالظفر والنصر (١).
[قيل :] قد يمكن أن تصرف الآية إلى المنافقين ، وهو قوله : (كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ) غير أنه ذكر في بعض القصة أنه لم يكن ببدر منافق بل كانوا كلهم مؤمنين حتى افتخر بذلك من شهد بدرا ، أو إن كان في المؤمنين فهو ما ذكرنا لقلة عددهم وضعفهم وكثرة أولئك وعدتهم كانوا كما وصف ، والله أعلم.
لكن الآية تحتمل وجوها :
أحدها : أمكن أن يكون الوعد لهم بالنصر بين لرسوله ولم يبين لهم ؛ فألقى في قلوبهم الرعب والخوف لما لم يبين لهم الوعد بالنصر.
أو بين لهم وبلغهم الوعد بذلك لكن لم يبين لهم الوقت متى يكون ذلك ؛ ألا ترى أنهم أمروا بالخروج ولا يدرون إلى ما ذا يؤمرون.
والثالث : يجوز أيضا أن بين لهم الوعد بالنصر وبلغهم ذلك ، غير أنهم خافوا ذلك وكرهوا خوف طبع وكراهة النفس لا كراهة الاختيار ، وجائز الخوف في مثل هذا وكراهة الطبع وإن كانوا على يقين بالنصر والظفر وتحقيق ذلك لهم.
والرابع : يجوز أن يكون الوعد لهم بالنصر والظفر بالتضرع إليه والاستغاثة منه ، على ما يكون في الدعوات ، يكون شقاوة بعض ودخوله النار بمعاصي يرتكبها ، وسعادة آخر ودخوله الجنة بخيرات يأتي بها فيصير من أهلها.
والخامس : جائز أن يكون ذلك من الله لهم محنة يمتحنهم بها كقوله : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ ...) الآية [البقرة : ١٥٥] ، يحتمل معنى الآية الوجوه التي ذكرنا ، والله أعلم.
ثم اختلف في قوله : (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ ...) الآية ؛ قال بعضهم : هو صلة قوله : (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) [آل عمران : ١٢٣].
قالوا قوله : (بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) ألفان ، وقوله : (بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ) [آل عمران : ١٢٤] فيكون خمسة آلاف مسومين.
ومنهم من يقول : ثلاثة كان في أحد ؛ إذ ذكر على أثر قصة أحد ، فإن كان ما ذكروا
__________________
(١) فى ب : بالنصر والظفر.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
