كارهين لذلك (١) كراهة الطبع لا كراهة الاختيار.
وقال قائلون قوله : (كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ) أي : وإن فريقا من المؤمنين أجابوا ربهم وإن كانوا كارهين للخروج من شدة الخوف وإن كانوا من الخوف كأنما (٢) يساقون إلى الموت ، فأجاب الله تعالى لهم بالنصر والظفر وأمنهم من ذلك الخوف ، والله أعلم.
قوله تعالى : (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ)(٨)
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ) ذكر في بعض القصة (٣) أن عير قريش حين (٤) أقبلت من الشام ، خرج أصحاب رسول الله نحوهم على ما يخرج إلى العير غير متأهبين للحرب ، وخرجت قريش من مكة تغيث عيرها فهي الطائفة الأخرى ، ووعد لهم أن إحدى الطائفتين لهم إما العير وإما العسكر أنهم ينصرون عليهم (وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ) أي : التي ليس فيها حرب ، ثم يكون لكم العير وهي أهون شوكة وأعظم غنيمة ، كانوا يودون ذلك.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ) لما لم تكونوا مستعدين للقتال (٥) والحرب ، وكان بهم ضعف وفي أولئك قوة وعدة ، والله أعلم.
قال الله تعالى : (وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ) يحتمل ـ والله أعلم ـ يريد أن يظهر الحق بأنه منه من غير وجود الأسباب منهم ، وهو كما ذكر في قوله : (قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ) [آل عمران : ١٣] أخبر أن في غلبة أولئك مع ضعف أبدانهم وقلة عددهم وقصور أسباب الحرب من السلاح والعدة وغير ذلك ، وقوة أبدان أولئك وكثرة عددهم وعدتهم
__________________
(١) فى أ : كذلك.
(٢) فى أ : فكأنما.
(٣) أخرجه الطبري (٦ / ١٨٤ ـ ١٨٥) عن ابن عباس (١٥٧٣٢ ، ١٥٧٣٥) وعن السدي (١٥٧٣٣) وعن قتادة (١٥٧٣٤).
وذكره السيوطي فى الدر المنثور (٣ / ٣٠٧ ، ٣٠٨) وزاد نسبته لابن المنذر وابن مردويه لابن عباس ، ولعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ وابن أبي حاتم عن قتادة.
(٤) زاد فى أ : أنها لكم ذكر فى بعض القصة.
(٥) في ب : القتال.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
