والرابع : يحتمل قوله : إنما المؤمنون هم الذين فعلوا هذا وأتوا بذلك كله ، لكنهم أجمعوا : أن من آمن بقلبه وصدق كان مؤمنا وإن لم يأت بغيره من الأفعال ؛ نحو أن يؤمن ثم يخترم ويموت من ساعته مات مؤمنا ؛ فدل أنه لم يخرج ذلك على الشرط لما ذكرنا ، ولكن على الوجوه الثلاثة التي ذكرنا ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) يخرج على وجوه :
أحدها : يخبر أن المؤمن هو على وصف ما ذكر.
أو يقول : إن المؤمنين الذين ينبغي أن يكونوا ما ذكر.
أو يقول : إنما المؤمنون المختارون ما ذكر ، جعل الله تعالى ما ذكر من وجل القلب وغيره علما بين الذين حققوا (١) الإيمان في الظاهر والباطن وبين الذين أظهروا الإيمان وأضمروا الكفر والخلاف ، وكذلك ما ذكر في آية أخرى : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا) [النور : ٦٢].
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً) يحتمل قوله : (آياتُهُ) : حججه وبراهينه إذا تليت عليهم ذلك يزداد لهم ثباتا وقوة على ما كانوا ، وأما المنافقون فإن الآيات التي نزلت كانت تزداد لهم بها رجسا وبعدا فإن (٢) المؤمنين يزيد لهم ذلك ثباتا وقوة. أو ذكر الزيادة ؛ لأن للإيمان حكم التجدد والحدوث في كل وقت وكل ساعة ، فإذا كان له حكم الحدوث والتجدد فهو زيادة على ما كان ، فإن شئت سميتها زيادة وإن شئت سميتها ثباتا. وقال أبو حنيفة ـ رحمهالله ـ : يزيد الإيمان بالتفسير على الإيمان بالجملة ، فإذا فسروا لهم وقالوا : فلان رسول ونبي ، ازداد بذلك له إيمانا وإن كان قد آمن به بالجملة ، وكذلك الإيمان بجميع الكتب والأمر وإن كنا نؤمن في الجملة أن له الخلق والأمر ، فإذا عرف ذلك الأمر ازداد له إيمانا في ذلك ـ والله أعلم ـ لأن من آمن بالله وأن له الخلق والأمر فقد أتى بعقدة الإيمان ، فإذا جاء بالتفسير واحدا بعد واحد ازداد له إيمانه بالتفسير على إيمانه بالجملة.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) أي : على ربهم يتقون ويعتمدون في كل أمورهم لا يتوكلون على غيره إنما يتوكلون على الله وليس كالمنافقين هم إنما يتوكلون على النعم التي أعطوا ؛ كقوله : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ
__________________
(١) في ب : تحققوا.
(٢) في ب : وأما.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
