في إيمانهم ، كما وصفهم في آية أخرى ؛ حيث قال : (وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى) [النساء : ١٤٢] ، وكانوا إذا أنفقوا أنفقوا كارهين ، وكانوا لا يذكرون الله إلا قليلا مراءاة للناس ، وأما المؤمنون فهم الذين يقومون بوفاء ذلك كله حقيقة ، فيظهر صدقهم بذلك ، وهو ما وصفهم [به](١) في آية أخرى : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) [الحجرات : ١٥].
ويحتمل أن يكون على الاعتقاد خاصة ، ليس على نفس العمل ؛ كأنه قال : إنما المؤمنون الذين اعتقدوا في إيمانهم ما ذكر من وجل القلوب والخشية عند ارتكاب المعصية ، والتقصير عن القيام بما عليه ، وما يرتكب المؤمن من المعاصي إنما يرتكب عن جهالة ثم يتوب عن قريب ؛ كقوله : (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) [النساء : ١٧] ، يرتكب ذلك إما لغلبة شهوة ، أو يعتقد التوبة من بعده ، أو يرجو رحمة الله وفضله (٢) في العفو عن ذلك ، فيكون قوله : إنما المؤمنون الذين اعتقدوا لإيمانهم ما ذكر من الأفعال ؛ وهو كقوله : (فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) [التوبة : ٥] هو على الاعتقاد والقبول له : أنهم إذا اعتقدوا ذلك وقبلوا ، يخلى سبيلهم وإن لم يقيموا الصلاة وما ذكر وكذلك الأول يحتمل ذلك.
__________________
ـ وقوله : (نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ) سماه ريبا لا لكونه مشكوكا في كونه ؛ بل من حيث تشكك في وقت حصوله ، فالإنسان أبدا في ريب المنون من جهة وقته لا من جهة كونه ، وعلي هذا قول الشاعر :
|
الناس قد علموا أن لا بقاء لهم |
|
لو أنهم عملوا مقدار ما علموا |
والارتياب يجري مجرى الإرابة ، ونفي عن المؤمنين الارتياب في قوله : (وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ).
وريب الدهر : صروفه ، وإنما قيل له : ريب لما يتوهم فيه من المكروه ، والريب : التهمة المجردة ، ومنه قول جميل :
|
بثينة قالت : يا جميل أربتني |
|
فقلت : كلانا يا بثين مريب |
والريب : الحاجة ومنه قول الشاعر :
|
قضينا من تهامة كل ريب |
|
وخيبر ثم أجممنا السيوف |
والريب : الشك المجرد ، ومنه قول ابن الزّبعرى :
|
ليس في الحق يا أميمة ريب |
|
إنما الريب ما يقول الكذوب |
وفي وصية الصديق للفاروق ـ رضي الله عنهما ـ : «عليك بالنوائب في الأمور ، وإياك والرائب منهما» قال المبرد : هذا مثل ، ويقال : راب اللبن ، إذا صفا ، وإذا كدر ؛ فهو من الأضداد.
ينظر : عمدة الحفاظ (٢ / ١٤٦ ـ ١٤٧) ، والنهاية (٢ / ٢٨٦) ، والمفردات (٦ / ٢٠٥).
(١) سقط في ب.
(٢) في أ : من فضله.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
