فيقول : «من قتل قتيلا فله سلبه» ، يحرض بذلك المقاتلة ، وينفل السرية ويخرج من العسكر شيئا بعد الخمس ، ومما أجمعوا عليه من قسمة الغنيمة أخماسا نزول القرآن ، وقد روي عن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «إن الغنيمة لم تحل لأحد قبلنا ، وقد أحلت لنا» (١).
__________________
ـ يبلغني ذلك في غير حنين ، وأجاب الشافعي ومن معه بأن ذلك حفظ عن النبي صلىاللهعليهوسلم في عدة مواطن منها : يوم بدر ، ويوم أحد ، فقد قتل حاطب بن أبي بلتعة رجلا فسلمه رسول صلىاللهعليهوسلم سلبه ، كما أخرجه البيهقي ، وفي غزوة مؤتة وفي وقائع كثيرة ، واحتج به الصحابة بعد وفاة الرسول صلىاللهعليهوسلم في كل مرة خولف فيها أمره صلىاللهعليهوسلم.
ورد علي الشافعية في تخصيص آية الغنيمة بحديث السلب أن هذا لو كان على سبيل الشرع العام وهو موضع النزاع ـ ورد عليهم أن قوله صلىاللهعليهوسلم : «كلاكما قتله» مع قضائه بالسلب لأحدهما ، ظاهر في أن أمر السلب للإمام ، وما يقولونه تأويلا لهذا بعد قوله : «فابتدراه بسيفيهما» وقوله صلىاللهعليهوسلم : «كلاكما قتله» بعد نظره في سيفيهما ـ بعيد ؛ لأنه يتضمن ثبوت الاشتراك في القتل ومباشرتهما له ، وهو موجب لاشتراكهما في السلب ، والقول بأنه تطييب لنفس الآخر غير مسلم ؛ بل هو حرمان له بعد تقرير النبي صلىاللهعليهوسلم أنه قتل مع صاحبه ، والرسول صلىاللهعليهوسلم حاكم مقدر لجهة الحكم ؛ فلا يصح أن يقول هذا ثم يحكم لأحدهما فقط.
فدل ذلك على أن المسألة ليست شرعا مقررا في ذاته ؛ وإنما هي ترجع إلى رأي الإمام ، وقد رأى إعطاء أحدهما دون الآخر ، وهو الذي يقدر عوامل الإعطاء والحرمان.
وبعد هذا فالسلب نوع من التحريض ، والتحريض أمره موكول إلى الإمام في أصله ونوعه ، فهو الذي يشترطه ، وهو الذي يتصرف فيه بما يرى ، وقد جاء في مسلم وأبي داود حديث عوف بن مالك الأشجعي ، وهو ظاهر في أن مرجع السلب إلى الإمام ، وهذا هو الحديث عن عوف بن مالك ، قال : قتل رجل من حمير رجلا من العدو ، فأراد سلبه ، فمنعه خالد بن الوليد ـ وكان واليا عليهم ـ فأتى رسول الله صلىاللهعليهوسلم عوف بن مالك ، وأخبره بذلك ، فقال لخالد : «ما منعك أن تعطيه سلبه؟» فقال : استكثرته يا رسول الله ، قال : «ادفعه إليه» فمر خالد بعوف ، فجرّ بردائه ثم قال : هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله صلىاللهعليهوسلم؟! فسمعه رسول الله صلىاللهعليهوسلم فاستغضب فقال : «لا تعطه يا خالد ، هل أنتم تاركون لي أمرائي ، إنما مثلكم ومثلهم كمثل رجل استرعى إبلا وغنما ، فرعاها ، ثم تحين سقيها ، فأوردها حوضا فشرعت فيه ، فشربت صفوه وتركت كدره ، فصفوه لكم وكدره عليكم» رواه أحمد ، ومسلم ، فهذا الحديث يرد على من قال : إن النبي ـ عليهالسلام ـ لم يقل : «من قتل قتيلا فله سلبه» إلا يوم حنين ؛ فإن هذه الواقعة كانت في غزوة مؤتة ، وهي قبل حنين ، ويدل أيضا على أن السلب موكول إلى الإمام ألا ترى أنه صلىاللهعليهوسلم منع خالدا من إعطاء السلب بعد ما أمره به ، ولا يكون ذلك والقضاء بالسلب شرع لازم للقاتل ، والقول بأن رد السلب كان زجرا لعوف يمنعه أن عوفا لم يكن هو صاحب الحق حتى يزجر بمنعه ، وإنما صاحبه المددي الذي كان مع عوف ، وهو لم يتجرأ على خالد ، ولم يصدر منه ما يستحق به الزجر ، والزجر إنما يكون لمن أذنب ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ، وكيف يزجر إنسان بمنع آخر حقه؟!
ومن هذا تبين رجحان ما ذهب إليه الحنفية والمالكية من أن السلب حق للإمام يضعه حيث يشاء ، وليس حقّا للقاتل.
ينظر : الجهاد لشحاتة محمد شحاتة ص (١٣١ ، ١٣٦).
(١) أخرجه البخاري (١ / ٥١٩) كتاب التيمم (٣٣٥) وطرفاه في (٤٣٨ ـ ٣١٢٢) ، ومسلم (١ / ٣٧٠) كتاب المساجد (٣ / ٥٢١) عن جابر بن عبد الله بنحوه.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
