ثم تقسم الأربعة الأخماس (١) بين أهل القسمة ، وجعلوا للإمام أن ينفل السلب (٢) وغيره ،
__________________
(١) في ب : أخماس.
(٢) السلب : هو ثياب القتيل وآلات حربه : كالسيف والرمح والدرع والدابة التي يركبها والتي تكون بجانبه ، وما معه من حلي ومال على خلاف لبعض الفقهاء في بعض ما ذكر والأمر فيها هين يسير.
وقد اختلف الفقهاء في أن السلب حق للقاتل أو حق للإمام إن شاء وعد بالتنفيل به وإن شاء وضعه في الغنيمة :
فذهب الإمام أحمد والليث وغيرهما إلى أن السلب للقاتل بشروط ذكرت في كتبهم ، سواء قال الإمام : من قتل قتيلا فله سلبه ، أم لا ، فاستحقاق القاتل له حكم شرعي ثابت في نفسه لا يتوقف على جعل الإمام.
وقال الحنفية والمالكية والثوري : إن القاتل لا يستحقه إلا أن يشترط له الإمام ، وهو عندهم من النفل.
وقد استدل الأولون بقوله صلىاللهعليهوسلم في حديث طويل متفق عليه عن أبي قتادة : «من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه» ، وبما رواه أحمد وأبو داود عن أنس ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال يوم حنين : «ومن قتل قتيلا فله سلبه. فقتل أبو طلحة عشرين رجلا وأخذ أسلابهم» ، فهذان الحديثان صريحان في أن السلب للقاتل.
واستدل الحنفية ومن وافقهم بعموم قوله تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) الآية ، والسلب مال مغنوم ؛ لأنه مأخوذ بقوة الجيش ؛ إذ لو لا الجيش لما حصل السلب ، ومباشرة القتل لا عبرة بها ، كما أنها لم تعتبر في منع الرّدء من الغنيمة ، بل هو والمقاتل المباشر فيها سواء. واستدلوا كذلك بما رواه البخاري ومسلم من حديث جاء فيه «أن معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء ضربا أبا جهل بسيفيهما حتى قتلاه ، فأتيا رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال : «أيكما قتله؟» فقال كل واحد منهما : أنا قتلته ، فنظر في السيفين فقال : «كلاكما قتله» ، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح» ، فهذا الحديث نص على أن السلب ليس للقاتل ، بل هو بتعيين الإمام. وبما روى من طريق عمرو بن واقد عن موسى بن يسار عن مكحول عن جنادة بن أبي أمية أن حبيب بن مسلمة قتل قتيلا فأراد أبو عبيدة أن يخمس سلبه فقال له حبيب : إن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قضى بالسلب للقاتل ، فقال له معاذ : مهلا يا حبيب ، سمعت رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقول : «إنما للمرء ما طابت به نفس إمامه» وهذا الحديث أيضا يدل على أن السلب ليس للقاتل ؛ إذ لو كان له لما توقف على طيب نفس الإمام.
المناقشة :
ورد على الحنفية في استدلالهم بالآية أن السلب حقيقة من الغنيمة وتشمله الآية ، ولكن الرسول صلىاللهعليهوسلم بين أنه خارج من حكم الغنيمة ، كما خصت الآية بكثير غير السلب كالقاتل الذمي ، وقاتل النساء ، والصبيان وغيرهم ممن لم يقاتل ، وإنما جعله صلىاللهعليهوسلم للقاتل في مقابلة مخاطرته بنفسه رغبة منه في إعلاء كلمة الله تعالى أما حديث الصحيحين فقد أجيب عنه بأن في سياقه دلالة علي أن السلب يستحقه من أثخن في القتل ، ولو شاركه غيره في الضرب أو الطعن ، وإنما حكم بالسلب لمعاذ بن عمرو بن الجموح ؛ لأنه رأى أن ضربته هي المؤثرة في قتله ؛ لعمقها وظهور أثرها ، قال المهلب : «وإنما قال : «كلاكما قتله» وإن كان أحدهما هو الذي أثخنه ؛ لتطيب نفس الآخر».
وأما حديث حبيب بن مسلمة ، ففيه عمرو بن واقد وهو منكر الحديث ، كما قاله البخاري وغيره.
وقد ورد على ما استدل به الشافعي ، ومن معه من قوله صلىاللهعليهوسلم : «من قتل قتيلا فله سلبه» أن النبي صلىاللهعليهوسلم إنما قاله يوم حنين ـ وقد هزم المسلمون ـ تحريضا لهم على القتال ، قال الإمام مالك : لم ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
