معلوم أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم لم يكن من الغافلين في حال ، ولكن على النهي لأمته ؛ كقوله : (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) [البقرة : ١٤٧] ، و (وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [الأنعام : ١٤] ونحوه ، نهاه أن يكونن ما ذكر ؛ لما ذكرنا نهيا لغيره ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ).
قالت المشبهة : لو لم يكن [بين الله](١) وبين الملائكة قرب الذات لكانوا هم والبشر بقوله : (عِنْدَ رَبِّكَ) سواء ، لكان لا معنى لتخصيص الملائكة بذلك.
لكن التأويل عندنا في قوله : (عِنْدَ رَبِّكَ) : في الطاعة والخضوع ، أو في الكرامة والمنزلة ، ليس على قرب الذات ، ولكن على ما وصف ـ عزوجل ـ : (لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ) [التحريم : ٦] ، وقوله : (لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ) [الأنبياء : ٢٠] وصفهم بالطاعة له والخضوع ؛ فعلى ذلك الأول ، ليس على قرب الذات ، ولكن على ما ذكر من الطاعة والخضوع.
ألا ترى أنه قال : (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) [العلق : ١٩] ليس على أنه في الأرض يقترب (٢) منه إذا سجد؟!.
وأصل ما يضاف إلى الله من جزئية الأشياء يخرج مخرج تعظيم تلك الجزئيات ؛ كقوله : (وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ) [الجن : ١٨] خصّ المساجد بالإضافة إليه ، وإن كانت البقاع كلها له ؛ تعظيما لها ، وكذلك قوله : الكعبة بيت الله الحرام ، وإن كانت البيوت كلها له ، ونحو ذلك مما أضاف ذلك إلى نفسه من جزئيات الأشياء ؛ تعظيما لذلك وإجلالا ؛ فعلى ذلك الأول ، أضافهم إلى نفسه إما لطاعة لهم إياه والخضوع ، وإما لكرامة لهم والمنزلة ، وإضافة كلية الأشياء إلى الله تخرج مخرج تعظيم الربّ ؛ من ذلك قوله : (لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) [الأعراف : ٥٤] وقوله : (وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران : ٢٩] ، وقوله : (خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [الرعد : ١٦].
ومن الناس من استدل بتفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية ؛ لكنا (٣) نقول : إن الأفضل عند الله الأطوع له والأخضع والأتقى والأقوم لأمره ونهيه ؛ على ما ذكرنا : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ) [الحجرات : ١٣] لا نشير أن هؤلاء أفضل من هؤلاء ، وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم.
__________________
(١) في أ : بينه.
(٢) في ب : يقرب.
(٣) في أ : لكن.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
