اختلف أهل التأويل في الذكر الذي ذكر في الآية ؛ منهم من صرف التأويل إلى كل ذكر.
ومنهم من صرفه إلى التلاوة ؛ فإن كان ذكر الغدو والآصال كناية عن الليل والنهار فهو ذكر أحواله يذكر (١) الله ـ عزوجل ـ بنعمه وإحسانه ، وذكره بنعمه شكره ، أو يذكره بقدرته وسلطانه ، وذلك يحمله (٢) على الخضوع له والتواضع ، أو يذكر أمره ونهيه ، ووعده ووعيده ، وذلك يوجب الإقرار بالتقصير ، والخوف لعقوبته ، والرغبة في وعده ؛ كأنه قال : واذكر ربك في كل حال من الليل والنهار إما شكرا لنعمه وإحسانه ، وإما الإقرار بالتقصير في أمره ونهيه ، وإما الخوف [لوعيده ، وإما الرغبة [(٣) لوعده ، فكأنه قال : اذكر ربك تضرعا وتواضعا وخيفة مع الخوف.
وإن كان تأويل الغدو والآصال كناية عن الغداة والعشي ، فهو كناية عن التلاوة ، وهو ما سبق من ذكر التلاوة من قوله : (وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ) وقوله : (هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً) [الأعراف : ٢٠٣] ، وهو كقوله : (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها) [الإسراء : ١١] وتأويله ـ والله أعلم ـ : ولا تجهر بصلاتك في بعض صلاتك ، ولا تخافت في بعضها.
أو أن يقال : لا تجهر الجهر العالي ، ولا تخافت غاية المخافتة ، ولكن بين ذلك.
أو أن يقول : لا تشتغل بالجهر ، ولا بالمخافتة ، ولكن اقرأ لما فيه ، فعلى ذلك قوله : (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ).
وقرأ بعضهم (٤) : وخفية وهو من الإخفاء ؛ حيث قال : (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ) ، وأما ظاهر القراءة فهو وخيفة ، وهو من الخوف.
وقال مجاهد : رخص الله أن تذكره في نفسك تضرعا وخيفة ، وأنت خلف الإمام تسمع قراءته.
(وَالْآصالِ) ، قال أبو عوسجة : العشيات ، الواحد : أصل وأصيل.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ).
__________________
(١) في أ : بذكر.
(٢) في أ : يحتمله.
(٣) سقط في أ.
(٤) ينظر : الدر المصون (٣ / ٣٩١) ، واللباب (٩ / ٤٤٠) ، ومفاتيح الغيب للرازي (٤ / ٣٤١) ، والبحر المحيط (٤ / ٤٥٣).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
