بها وتعنتوا ، وإذا لم يأتهم بها سألوه الآية سؤال المستهزئين المتعنتين ، وإذا لم يأتهم بها قالوا : (لَوْ لا اجْتَبَيْتَها) : لو لا ابتدعتها وأحدثتها وأنشأتها ، وهلا أنشأتها من قبل نفسك ، فقال : (قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي) أي : لا أفتعلها ، ولا أنشئها من نفسي ، إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي.
وأمكن أن يكون سؤال الآية من المؤمنين ؛ فإن كان منهم فهو سؤال الاسترشاد ؛ لما يزداد لهم بكل آية تنزل عليهم يقينا وقوة في دينهم ؛ كقوله : (وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً ...) الآية [التوبة : ١٢٤] ، (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً) الآية [التوبة : ١٢٥] ، وكقوله : (فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ ...) الآية [محمد : ٢٠] ، فإذا كان السؤال من المؤمنين فهو سؤال الاسترشاد وطلب زيادة الهدى ، وإن كان من الكفار فهو سؤال الاستهزاء والتعنت ، ثم أخبر أنه لا يتبع إلا ما يوحى إليه ، ثم أخبر أنه (بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ).
قيل (١) : بيان ، أي : هذا القرآن [بيان](٢) من ربكم يبصر به من لم يعاند ولم يكابر عقله كلّ ما له وما عليه ، وأنه البيان من الحق والباطل ، وهدى من الضلالة (وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) أي : ورحمة من العذاب.
قوله تعالى : (وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ)(٢٠٦)
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ...) الآية.
أمر الله ـ تعالى ـ بالاستماع إلى هذا القرآن والإنصات له إذا قرئ ، وإن كان في العقل أن من خاطب آخر بمخاطبات (٣) يلزمه الاستماع إلى ما يخاطبه ويشافهه ، فالله ـ سبحانه ـ إذا خاطب بخطاب أولى أن يستمع له مع ما ذكر في غير موضع من القرآن آيات ما يوجب في العقل الاستماع إليه ؛ كقوله : (هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ) ، وقوله : (اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) [الأعراف : ٣] وغير ذلك من الآيات ، ولا سبيل إلى أن يعرف أنه بصائر ، وأنه هدى وما ذكر إلا بالاستماع إليه والتفكر فيه ؛ فدل أن الاستماع لازم في العقل من له أدنى عقل ؛ على ما ذكرنا من المخاطبات ، لكنه ذكر ـ
__________________
(١) ذكره البغوي (٢ / ٢٢٥) ، وأبو حيان في البحر (٤ / ٤٤٨).
(٢) سقط في ب.
(٣) في ب : بخطابات.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
