هاهنا ـ الاستماع إليه ـ والله أعلم ـ لوجهين :
أحدهما : مقابل ما كانوا يقولون : (لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ) [فصلت : ٢٦] أمر ـ عزوجل ـ المؤمنين بالاستماع إليه مكان قولهم : (لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ) [فصلت : ٢٦] ، وأمر بالإنصات (١) مكان ما يقولون : (وَالْغَوْا فِيهِ).
والثاني : يجوز أن يكون أمر بالاستماع إليه في الصلاة ؛ على ما قال بعض أهل التأويل أنه في الصلاة.
وقال بعضهم (٢) : في حال الخطبة ؛ لما يسبق إلى أوهامهم أنه لما اشتغلوا بغيرها من العبادات ولزموا أنواع القرب أن يسقط عنهم حق الاستماع ، فأمر بالاستماع إليه ، والإنصات له ؛ ليعلموا أن حق الاستماع لازم في كل حال.
ثم الاستماع إليه يكون لتفهم ما أودع فيه من الأمر والنهي ، والوعد ، والوعيد ، وغيره ، والإنصات للتعظيم والتبجيل.
ثم الاستماع له لم يلزم لنفس التلاوة ، ولكن إنما يلزم لما أودع فيه من الأمر والنهي ، والوعد والوعيد ، وغيره ؛ ليفهموا ما فيه ، ويقبلوه ، ويقوموا بوفاء ذلك ، وأمّا سائر الأذكار إنما صارت (٣) عبادة لنفسها ؛ لذلك لم يلزم الاستماع إلى سائر الأذكار ، ولزم لتلاوة القرآن.
ولأن القرآن كلام الله وكتابه ، ومن الجفاء والاستخفاف أن يكتب إنسان إلى أخيه كتابا لا ينظر فيه ولا يستمع له ؛ فترك الاستماع إلى كتاب الله أعظم في الجفاء والاستخفاف.
__________________
(١) وهو السكوت ونصت وأنصت بمعنى واحد. ويكون نصت متعديا. وفي حديث طلحة «أنصتوني» يقال : أنصته وأنصت له ، نحو : نصحته ونصحت له ؛ قاله الهروي ، وقال الراغب : الإنصات : الاستماع إلى الصوت مع ترك الكلام.
الفرق بين الصمت والسكوت :
قال الراغب : الصمت أبلغ ؛ لأنه قد يستعمل فيما لا قوة فيه للنطق ، ولهذا قيل لمن لم يكن له نطق : صامت ، والسكوت لمن له نطق ، والإنصات سكوت مع استماع ، والإصاخة الاستماع إلى ما يصعب استماعه وإدراكه كالصوت من مكان بعيد ا. ه.
وقال «الحلبي» : بين الإنصات والاستماع عموم وخصوص من وجه ؛ لأن الإنصات السكوت ، سواء كان مع استماع أم لا ، والاستماع شغل السمع بالسماع ، سواء كان معه سكوت أو لا.
ينظر : عمدة الحفاظ (٤ / ٢٠٩ ، ٢١٠) والنهاية (٥ / ٦٣).
(٢) أخرجه ابن جرير (٦ / ١٦٤) (١٥٦٢٠ ، ١٥٦٢١) عن مجاهد وذكره السيوطي في الدر (٣ / ٢٨٧) وعزاه لعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ عن مجاهد.
(٣) في ب : إنما صار.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
