ابن جبير وأبو مجلز والنّخعي وشريح وعبيدة السّلماني وابن سيرين ومجاهد وقتادة والسدّي والثوري وأبو عبيد وأحمد بن حنبل. وذهب إلى الأول : أعني تفسير ضمير (مِنْكُمْ) بالقرابة أو العشيرة ، وتفسير (مِنْ غَيْرِكُمْ) بالأجانب الزهري والحسن وعكرمة. وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم من الفقهاء أن الآية منسوخة ، واحتجوا بقوله : (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ) (١). وقوله : (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) والكفار ليسوا بمرضيين ولا عدول ، وخالفهم الجمهور فقالوا : الآية محكمة ، وهو الحق لعدم وجود دليل صحيح يدل على النّسخ. وأما قوله تعالى : (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ) وقوله : (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) (٢) فهما عامان في الأشخاص والأزمان والأحوال ، وهذه الآية خاصة بحالة الضرب في الأرض وبالوصية وبحالة عدم الشهود المسلمين ، ولا تعارض بين عامّ وخاص. قوله : (إِنْ أَنْتُمْ) هو فاعل فعل محذوف يفسره ضربتم ، أو مبتدأ وما بعده خبره ، والأوّل مذهب الجمهور من النحاة ، والثاني مذهب الأخفش والكوفيين. والضرب في الأرض هو السفر. وقوله : (فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ) معطوف على ما قبله وجوابه محذوف ؛ أي إن ضربتم في الأرض فنزل بكم الموت وأردتم الوصية ولم تجدوا شهودا عليها مسلمين ، ثم ذهبا إلى ورثتكم بوصيتكم وبما تركتم فارتابوا في أمرهما وادّعوا عليهما خيانة ، فالحكم أن تحبسوهما ، ويجوز أن يكون استئنافا لجواب سؤال مقدّر ، كأنهم قالوا : فكيف نصنع إن ارتبنا في الشهادة؟ فقال : تحبسونهما من بعد الصّلاة إن ارتبتم في شهادتهما. وخص بعد الصلاة : أي صلاة العصر ، قاله الأكثر لكونه الوقت الذي يغضب الله على من حلف فيه فاجرا كما في الحديث الصحيح ؛ وقيل : لكونه وقت اجتماع الناس وقعود الحكام للحكومة ؛ وقيل : صلاة الظهر ؛ وقيل : أيّ صلاة كانت. قال أبو عليّ الفارسي : (تَحْبِسُونَهُما) صفة لآخران ، واعترض بين الصفة والموصوف بقوله : (إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) ، والمراد بالحبس : توقيف الشاهدين في ذلك الوقت لتحليفهما ، وفيه دليل على جواز الحبس بالمعنى العام ، وعلى جواز التغليظ على الحالف بالزمان والمكان ونحوهما. قوله : (فَيُقْسِمانِ بِاللهِ) معطوف على (تَحْبِسُونَهُما) أي يقسم بالله الشاهدان على الوصية أو الوصيان.
وقد استدلّ بذلك ابن أبي ليلى على تحليف الشاهدين مطلقا إذا حصلت الريبة في شهادتهما ، وفيه نظر لأن تحليف الشاهدين هنا إنما هو لوقوع الدعوى عليهما بالخيانة أو نحوها. قوله : (إِنِ ارْتَبْتُمْ) جواب هذا الشرط محذوف دلّ عليه ما تقدّم كما سبق. قوله : (لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً) جواب القسم ، والضمير في (بِهِ) راجع إلى الله تعالى. والمعنى : لا نبيع حظّنا من الله تعالى بهذا العرض النزر ، فنحلف به كاذبين لأجل المال الذي ادّعيتموه علينا ؛ وقيل : يعود إلى القسم : أي لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضا من أعراض الدنيا ؛ وقيل : يعود إلى الشهادة ، وإنما ذكر الضمير لأنها بمعنى القول : أي لا نستبدل بشهادتنا ثمنا. قال الكوفيون : المعنى ذا ثمن ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وهذا مبنيّ على أن العروض لا تسمى ثمنا ، وعند الأكثر أنها تسمى ثمنا كما تسمى مبيعا. قوله : (وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى) أي ولو كان المقسم له أو المشهود له قريبا فإنا نؤثر الحق والصدق ، ولا نؤثر العرض الدنيوي ولا القرابة ، وجواب لو محذوف لدلالة
__________________
(١). البقرة : ٢٨٢.
(٢). الطلاق : ٢.
![فتح القدير [ ج ٢ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3964_fath-alghadir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
