قال مكيّ : هذه الآيات الثلاث عند أهل المعاني من أشكل ما في القرآن إعرابا ومعنى وحكما. قال ابن عطية : هذا كلام من لم يقع له الثلج في تفسيرها ، وذلك بيّن من كتابه رحمهالله : يعني من كتاب مكي. قال القرطبي : ما ذكره مكي ذكره أبو جعفر النحاس قبله أيضا. قال السعد في حاشيته على الكشاف : واتفقوا على أنها أصعب ما في القرآن إعرابا ونظما وحكما. قوله : (شَهادَةُ بَيْنِكُمْ) أضاف الشهادة إلى البين توسعا لأنها جارية بينهم ؛ وقيل : أصله شهادة ما بينكم فحذفت ما وأضيفت إلى الظرف كقوله تعالى : (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) (١) ومنه قول الشاعر :
|
تصافح من لاقيت لي ذا عداوة |
|
صفاحا وعنّي بين عينيك منزوي |
أراد ما بين عينيك ، ومثله قول الآخر :
ويوما شهدناه سليما وعامرا (٢)
أي شهدنا فيه ، ومنه قوله تعالى : (هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) (٣) قيل : والشهادة هنا بمعنى الوصية ؛ وقيل : بمعنى الحضور للوصية. وقال ابن جرير الطبري : هي هنا بمعنى اليمين ، فيكون المعنى : يمين ما بينكم أن يحلف اثنان. واستدلّ على ما قاله بأنه لا يعلم لله حكما يجب فيه على الشاهد يمين. واختار هذا القول القفال ، وضعف ذلك ابن عطية واختار أنّ الشهادة هنا هي الشهادة التي تؤدّى من الشهود. قوله : (إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) ظرف للشهادة ، والمراد إذا حضرت علاماته ، لأن من مات لا يمكنه الإشهاد ، وتقديم المفعول للاهتمام ولكمال تمكن الفاعل عند النفس. وقوله : (حِينَ الْوَصِيَّةِ) ظرف لحضر أو للموت ، أو بدل من الظرف الأوّل. وقوله : (اثْنانِ) خبر شهادة على تقدير محذوف : أي شهادة اثنين أو فاعل للشهادة على أن خبرها محذوف : أي فيما فرض عليكم شهادة بينكم اثنان على تقدير أن يشهد اثنان ، ذكر الوجهين أبو عليّ الفارسي. قوله : (ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ) صفة للاثنان وكذا منكم : أي كائنان منكم : أي من أقاربكم (أَوْ آخَرانِ) معطوف على (اثْنانِ) ، و (مِنْ غَيْرِكُمْ) صفة له : أي كائنان من الأجانب ؛ وقيل : إن الضمير في (مِنْكُمْ) للمسلمين ، وفي (غَيْرِكُمْ) للكفار وهو الأنسب لسياق الآية ، وبه قال أبو موسى الأشعري وعبد الله بن عباس وغيرهما ، فيكون في الآية دليل على جواز شهادة أهل الذمة على المسلمين في السفر في خصوص الوصايا كما يفيده النظم القرآني ، ويشهد له السبب للنزول وسيأتي ؛ فإذا لم يكن مع الموصي من يشهد على وصيته من المسلمين فليشهد رجلان من أهل الكفر ، فإذا قدما وأدّيا الشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا ولا بدّلا ، وأن ما شهدا به حق ، فيحكم حينئذ بشهادتهما (فَإِنْ عُثِرَ) بعد ذلك (عَلى أَنَّهُمَا) كذبا أو خانا حلف رجلان من أولياء الموصي ، وغرم الشاهدان الكافران ما ظهر عليهما من خيانة أو نحوها ، هذا معنى الآية عند من تقدم ذكره ، وبه قال سعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر وسعيد
__________________
(١). سبأ : ٣٣.
(٢). وعجزه : قليل سوى الطعن النهال نوافله. والبيت لرجل من بني عامر. وسلّم وعامر : قبيلتان من قيس عيلان.
(٣). الكهف : ٧٨.
![فتح القدير [ ج ٢ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3964_fath-alghadir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
