قوله : (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ) اليد عند العرب تطلق على الجارحة ، ومنه قوله تعالى : (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً) (١) وعلى النعمة ، يقولون كم يد لي عند فلان ؛ وعلى القدرة. ومنه قوله تعالى : (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ) أو على التأييد ، ومنه قوله صلىاللهعليهوسلم : «يد الله مع القاضي حين يقضي» وتطلق على معان أخر. وهذه الآية هي على طريق التمثيل كقوله تعالى : (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ) والعرب تطلق غلّ اليد على البخل وبسطها على الجود مجازا ، ولا يريدون الجارحة كما يصفون البخيل بأنه جعد الأنامل ، ومقبوض الكفّ ، ومنه قوله الشاعر :
|
كانت خراسان أرضا إذ يزيد بها |
|
وكلّ باب من الخيرات مفتوح |
|
فاستبدلت بعده جعدا أنامله |
|
كأنّما وجهه بالخلّ منضوح |
فمراد اليهود هنا ، عليهم لعائن الله ، أنّ الله بخيل ، فأجاب سبحانه عليهم بقوله : (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) دعاء عليهم بالبخل ، فيكون الجواب عليهم مطابقا لما أرادوه بقوله : (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ) ويجوز أن يراد غلّ أيديهم حقيقة بالأسر في الدنيا أو بالعذاب في الآخرة ، ويقوّي المعنى الأوّل أن البخل قد لزم اليهود لزوم الظلّ للشمس فلا ترى يهوديا ، وإن كان ماله في غاية الكثرة ، إلا وهو من أبخل خلق الله ، وأيضا المجاز أوفق بالمقام لمطابقته لما قبله. قوله : (وَلُعِنُوا بِما قالُوا) معطوف على ما قبله والباء سببية : أي أبعدوا من رحمة الله بسبب قولهم : (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ) ، ثم ردّ سبحانه بقوله : (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ) أي بل هو في غاية ما يكون من الجود ، وذكر اليدين مع كونهم لم يذكروا إلا اليد الواحدة مبالغة في الردّ عليهم بإثبات ما يدل على غاية السخاء ، فإن نسبة الجود إلى اليدين أبلغ من نسبته إلى اليد الواحدة ، وهذه الجملة الإضرابية معطوفة على جملة مقدّرة يقتضيها المقام : أي كلا ليس الأمر كذلك (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ) وقيل : المراد بقوله : (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ) نعمة الدنيا الظاهرة ونعمتها الباطنة ؛ وقيل : نعمة المطر والنبات ؛ وقيل : الثواب والعقاب. وحكى الأخفش عن ابن مسعود أنه قرأ بل يداه بسيطتان : أي منطلقتان كيف يشاء. قوله : (يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ) جملة مستأنفة مؤكدة لكمال جوده سبحانه : أي إنفاقه على ما تقتضيه مشيئته ، فإن شاء وسع ، وإن شاء قتر ، فهو الباسط القابض ؛ فإن قبض كان ذلك لما تقتضيه حكمته الباهرة لا لشيء آخر ، فإن خزائن ملكه لا تفنى وموادّ جوده لا تتناهى. قوله : (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ) إلخ ، اللام هي لام القسم : أي ليزيدن كثيرا من اليهود والنصارى ما أنزل إليك من القرآن المشتمل على هذه الأحكام الحسنة (طُغْياناً وَكُفْراً) أي طغيانا إلى طغيانهم وكفرا إلى كفرهم. قوله : (وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ) أي بين اليهود (الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ) أو بين اليهود والنصارى. قوله : (كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ) أي كلما جمعوا للحرب جمعا ، وأعدوا له عدّة ، شتّت الله جمعهم ، وذهب بريحهم فلم يظفروا بطائل ولا عادوا بفائدة ، بل لا يحصلون من ذلك إلا على الغلب لهم ، وهكذا لا يزالون يهيجون الحروب ويجمعون عليها ، ثم يبطل الله ذلك ، والآية مشتملة على استعارة بليغة ، وأسلوب بديع (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً) أي يجتهدون في فعل ما فيه فساد ، ومن أعظمه ما يريدونه من إبطال الإسلام وكيد أهله ؛ وقيل : المراد بالنار هنا الغضب :
__________________
(١). ص : ٤٤.
![فتح القدير [ ج ٢ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3964_fath-alghadir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
