أي كلما أثاروا في أنفسهم غضبا أطفأه الله بما جعله من الرعب في صدورهم والذلة والمسكنة المضروبتين عليهم. قوله : (وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) إن كانت اللام للجنس فهم داخلون في ذلك دخولا أوّليا ، وإن كانت للعهد فوضع الظاهر موضع المضمر لبيان شدّة فسادهم وكونهم لا ينفكون عنه. قوله : (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا) أي لو أن المتمسّكين بالكتاب ، وهم اليهود والنصارى ، على أنّ التعريف للجنس (آمَنُوا) الإيمان الذي طلبه الله منهم ، ومن أهمّه الإيمان بما جاء به محمد صلىاللهعليهوسلم كما أمروا بذلك في كتب الله المنزلة عليهم (وَاتَّقَوْا) المعاصي التي من أعظمها ما هم عليه من الشرك بالله والجحود لما جاء به رسول الله (لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ) التي اقترفوها ، وإن كانت كثيرة متنوّعة ؛ وقيل المعنى : لوسعنا عليهم في أرزاقهم (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ) أي أقاموا ما فيهما من الأحكام التي من جملتها الإيمان بما جاء به محمد صلىاللهعليهوسلم. قوله : (وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ) من سائر كتب الله التي من جملتها القرآن فإنها كلها وإن نزلت على غيرهم فهي في حكم المنزلة عليهم لكونهم متعبدين بما فيها (لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) ذكر فوق وتحت للمبالغة في تيسر أسباب الرزق لهم وكثرتهم وتعدد أنواعها. قوله : (مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ) جواب سؤال مقدّر ، كأنه قيل : هل جميعهم متّصفون بالأوصاف السابقة ، أو البعض منهم دون البعض ، والمقتصدون منهم هم المؤمنون كعبد الله بن سلام ومن تبعه وطائفة من النصارى (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ) وهم المصرّون على الكفر المتمرّدون عن إجابة محمد صلىاللهعليهوسلم والإيمان بما جاء به.
وقد أخرج ابن إسحاق والطبراني في الكبير وابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رجل من اليهود يقال له النباش بن قيس : إن ربك بخيل لا ينفق ، فأنزل الله (وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ) الآية. وأخرج أبو الشيخ عنه أنها نزلت في فنحاص اليهودي. وأخرج مثله ابن جرير عن عكرمة. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : (وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ) أي بخيلة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه نحوه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً) قال : حملهم حسد محمد والعرب على أن تركوا القرآن وكفروا بمحمد ودينه وهم يجدونه مكتوبا عندهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله : (كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ) قال : حرب محمد صلىاللهعليهوسلم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدّي في الآية : كلما أجمعوا أمرهم على شيء فرّقه الله ، وأطفأ حدّهم ونارهم ، وقذف في قلوبهم الرّعب. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله : (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا) قال : آمنوا بما أنزل على محمد واتقوا ما حرّم الله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله : (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ) قال : العمل بهما ، وأما ما أنزل إليهم فمحمد صلىاللهعليهوسلم وما أنزل عليه ، وأما (لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ) فأرسلت عليهم مطرا ، وأما (مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) يقول : أنبت لهم من الأرض من رزقي ما يغنيهم. (مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ) وهم مسلمة أهل الكتاب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس (لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ) يعني لأرسل
![فتح القدير [ ج ٢ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3964_fath-alghadir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
