يقول : وقد علم موسى أنه لا يهلك أحد بذنب غيره ، ولكنه كقول عيسى (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ) (١) ؛ وقيل : المراد بالسفهاء : السبعون ، والمعنى : أتهلك بني إسرائيل لما فعل هؤلاء السفهاء في قولهم : (أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً) ؛ وقيل : المراد بهم : السامري وأصحابه. قوله (إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ) أي : ما الفتنة التي وقع فيها هؤلاء السفهاء إلا فتنتك التي تختبر بها من شئت وتمتحن بها من أردت ، ولعله عليهالسلام استفاد هذا من قوله سبحانه (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ) (٢) (تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ) أي : تضلّ بهذه الفتنة من تشاء من عبادك ، وتهدي بها من تشاء منهم ، ومثله (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (٣) ، ثم رجع إلى الاستعطاف والدعاء فقال (أَنْتَ وَلِيُّنا) أي : المتولي لأمورنا (فَاغْفِرْ لَنا) ما أذنبناه (وَارْحَمْنا) برحمتك التي وسعت كل شيء (وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ) للذنوب (وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً) بتوفيقنا للأعمال الصّالحة ، أو تفضل علينا بإفاضة النعم في هذه الدنيا من العافية وسعة الرزق (وَفِي الْآخِرَةِ) أي : واكتب لنا في الآخرة الجنة بما تجازينا به ، أو بما تتفضّل به علينا من النعيم في الآخرة ، وجملة (إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ) تعليل لما قبلها من سؤال المغفرة والرحمة والحسنة في الدنيا وفي الآخرة ، أي : إنا تبنا إليك ورجعنا عن الغواية التي وقعت من بني إسرائيل. والهود : التوبة. وقد تقدّم في البقرة ، وجملة (قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ) مستأنفة كنظائرها فيما تقدّم ، قيل : المراد بالعذاب هنا : الرجفة ، وقيل : أمره سبحانه لهم بأن يقتلوا أنفسهم ، أي : ليس هذا إليك يا موسى ، بل ما شئت كان ، وما لم أشأ لم يكن. والظاهر أن العذاب هنا يندرج تحته كل عذاب ، ويدخل فيه عذاب هؤلاء دخولا أوّليا ؛ وقيل : المراد من أشاء من المستحقين للعذاب ، أو من أشاء أن أضله وأسلبه التوفيق (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) من الأشياء من المكلفين وغيرهم ، ثم أخبر سبحانه أنه سيكتب هذه الرحمة الواسعة (لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) الذنوب (وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ) المفروضة عليهم (وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ) أي : يصدّقون بها ويذعنون لها ، ثم بين سبحانه هؤلاء الذين كتب لهم هذه الرحمة ببيان أوضح مما قبله وأصرح فقال (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَ) وهو محمد عليه الصلاة والسّلام ، فخرجت اليهود والنصارى وسائر الملل. والأمي : إما نسبة إلى الأمة الأمية التي لا تكتب ولا تحسب ، وهم العرب ، أو نسبة إلى الأم. والمعنى أنه باق على حالته التي ولد عليها لا يكتب ولا يقرأ المكتوب ؛ وقيل : نسبة إلى أمّ القرى ، وهي مكة (الَّذِي يَجِدُونَهُ) يعني اليهود والنصارى ، أي : يجدون نعته (مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ) وهما مرجعهم في الدين ، وهذا الكلام منه سبحانه مع موسى هو قبل نزول الإنجيل فهو من باب الإخبار بما سيكون ، ثم وصف هذا النبيّ الذي يجدونه كذلك بأنه يأمر بالمعروف ، أي : بكل ما تعرفه القلوب ولا تنكره من الأشياء التي هي من مكارم الأخلاق (وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ) أي : ما تنكره القلوب ولا تعرفه ، وهو ما كان من مساوئ الأخلاق ، قيل : إن قوله (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) إلى قوله (أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) كلام يتضمن تفصيل أحكام الرحمة التي وعد بها ، ذكر معناه الزجاج ، وقيل : هو في محل نصب على الحال من النبيّ ، وقيل : هو مفسر لقوله (مَكْتُوباً). قوله (يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ) أي : المستلذات ، وقيل : يحلّ لهم ما حرّم عليهم من الأشياء التي حرّمت عليهم بسبب
__________________
(١). المائدة : ١١٨.
(٢). طه : ٨٥.
(٣). هود : ٧.
![فتح القدير [ ج ٢ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3964_fath-alghadir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
