ذنوبهم (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ) أي : المستخبثات كالحشرات والخنازير (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ) الإصر : الثقل ، أي : يضع عنهم التكاليف الشاقة الثقيلة. وقد تقدّم بيانه في البقرة (وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ) أي : ويضع عنهم الأغلال التي كانت عليهم ، الأغلال مستعارة للتكاليف الشاقة التي كانوا قد كلفوها (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ) أي : بمحمد صلىاللهعليهوسلم (وَاتَّبِعُوهُ) فيما جاء به من الشرائع (وَعَزَّرُوهُ) أي : عظموه ووقروه ، قاله الأخفش ، وقيل : معناه منعوه من عدّوه ، وأصل العزر : المنع ، وقرأ الجحدري (وَعَزَّرُوهُ) بالتخفيف (وَنَصَرُوهُ) أي : قاموا بنصره على من يعاديه (وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ) أي : اتبعوا القرآن الذي أنزل عليه مع نبوّته ؛ وقيل المعنى : واتبعوا القرآن المنزل إليه مع اتّباعه بالعمل بسنته مما يأمر به وينهى عنه ، أو اتبعوا القرآن مصاحبين له في اتباعه ، والإشارة ب (أُولئِكَ) إلى المتصفين بهذه الأوصاف (هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الفائزون بالخير والفلاح لا غيرهم من الأمم.
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ) الآية. قال : كان الله أمره أن يختار من قومه سبعين رجلا ، فاختار سبعين رجلا فبرز بهم ليدعوا ربهم ، فكان فيما دعوا الله أن قالوا : اللهم أعطنا ما لم تعط أحدا من قبلنا ولا تعطه أحدا بعدنا ، فكره الله ذلك من دعائهم ، فأخذتهم الرجفة (قالَ) موسى (رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ) ، (إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ) يقول : إن هي إلا عذابك تصيب به من تشاء وتصرفه عمّن تشاء. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد (لِمِيقاتِنا) قال : لتمام الموعد ، وفي قوله : (فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) قال : ماتوا ثم أحياهم. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن أبي العالية في قوله : (إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ) قال : بليتك. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس (إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ) قال : مشيئتك. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : إنّ السّبعين الذين اختارهم موسى من قومه ، إنما أخذتهم الرجفة ، لأنهم لم يرضوا بالعمل ولم ينهوا عنه. وأخرج سعيد بن منصور عنه في قوله (وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ) فلم يعطها موسى (قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ) إلى قوله (الْمُفْلِحُونَ). وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله (وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ) قال : فكتب الرحمة يومئذ لهذه الأمة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله (إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ) قال : تبنا إليك. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي وجرة السعدي ، ـ وكان من أعلم الناس بالعربية ـ قال : لا والله ما أعلمها في كلام العرب هدنا ؛ قيل : فكيف؟ قال : هدنا بكسر الهاء؟ يقول : ملنا. وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن وقتادة في قوله (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) قال : وسعت رحمته في الدنيا البرّ والفاجر ، وهي يوم القيامة للذين اتقوا خاصة. وأخرج مسلم وغيره عن سلمان عن النبي صلىاللهعليهوسلم قال «إن لله مائة رحمة فمنها رحمة يتراحم بها الخلق ، وبها تعطف الوحوش على أولادها ، وأخّر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة». وأخرج نحوه أحمد وأبو داود والطبراني والحاكم والضياء المقدسي من حديث
![فتح القدير [ ج ٢ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3964_fath-alghadir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
