ذهب عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ) قال : فيما بقي منها. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد أو سعيد بن جبير قال : كانت الألواح من زمرد فلما ألقاها موسى ذهب التّفصيل ، وبقي الهدى والرحمة ، وقرأ (وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ) وقرأ : (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ) قال : ولم يذكر التفصيل هاهنا.
(وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥) وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧))
قوله (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا) هذا شروع في بيان ما كان من موسى ومن القوم الذين اختارهم. وسبعين : مفعول اختار ، وقومه منصوب بنزع الخافض ، أي : من قومه على الحذف والإيصال ، ومثله قول الرّاعي :
|
اخترتك النّاس إذ رثّت خلائقهم |
|
واختلّ من كان يرجى عنده السّول |
يريد اخترتك من الناس ، ومعنى (لِمِيقاتِنا) للوقت الذي وقتناه له بعد أن وقع من قومه ما وقع ، والميقات : الكلام الذي تقدم ذكره لأن الله أمره أن يأتي إلى الطور في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه سبحانه من عبادة العجل كذا قيل ؛ والرجفة في اللغة : الزلزلة الشديدة ، قيل : إنهم زلزلوا حتى ماتوا ، فلما رأى موسى أخذ الرجفة لهم (قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ) قاله عليهالسلام تحسرا وتلهفا ، لأن سبب أخذ الرجفة لهم ما حكى الله عنهم من قولهم (وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ) على ما تقدّم في البقرة ؛ وقيل : هؤلاء السبعون غير من قالوا (أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً) (١) بل أخذتهم الرجفة ، بسبب عدم انتهائهم عن عبادة العجل ؛ وقيل : إنهم قوم لم يرضوا بعبادة العجل ولا نهوا السامريّ ومن معه عن عبادته ، فأخذتهم الرجفة بسبب سكوتهم ، والمعنى : لو شئت إهلاكنا لأهلكتنا بذنوبنا قبل هذا الوقت اعترافا منه عليهالسلام بالذنب ، وتلهفا على ما فرط من قومه ، والاستفهام في قوله : (أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا) للجحد ، أي : لست ممن يفعل ذلك ، قاله ثقة منه برحمة الله ، والمقصود منه الاستعطاف والتضرّع ، وقيل معناه الدعاء والطلب ، أي : لا تهلكنا. قال المبرد : المراد بالاستفهام استفهام الإعظام كأنه
__________________
(١). البقرة : ٥٥.
![فتح القدير [ ج ٢ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3964_fath-alghadir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
