ففشا الخبر حتى بطل أمر الغزو وقالوا : (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا) (١) وقيل : إن هؤلاء النقباء كفل كل واحد منهم على سبطه بأن يؤمنوا ويتقوا الله ، وهذا معنى بعثهم ، وسيأتي ذكر بعض ما قاله جماعة من السلف في ذلك. قوله : (وَقالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ) أي قال ذلك لبني إسرائيل ، وقيل للنقباء ؛ والمعنى : إني معكم بالنصر والعون ، واللام في قوله : (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ) هي الموطئة للقسم المحذوف ، وجوابه (لَأُكَفِّرَنَ) وهو سادّ مسدّ جواب الشرط. والتعزير : التعظيم والتوقير ، وأنشد أبو عبيدة :
|
وكم من ماجد لهم كريم |
|
ومن ليث يعزّر في النّديّ |
أي يعظّم ويوقّر. ويطلق التعزير على الضرب والردّ ، يقال : عزّرت فلانا : إذا أدّبته ورددته عن القبيح ، فقوله : (وَعَزَّرْتُمُوهُمْ) أي عظمتموهم على المعنى الأوّل ، أو رددتم عنهم أعداءهم ومنعتموهم على الثاني. قوله : (وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً) أي أنفقتم في وجوه الخير ، و (قَرْضاً) مصدر محذوف الزوائد كقوله تعالى : (وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً) أو مفعول ثان لأقرضتم. والحسن : قيل هو ما طابت به النفس ؛ وقيل : ما ابتغي به وجه الله ؛ وقيل : الحلال. قوله : (فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ) أي بعد الميثاق أو بعد الشرط المذكور (فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) أي أخطأ وسط الطريق. قوله : (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ) الباء سببية وما زائدة ، أي فبسبب نقضهم ميثاقهم (لَعَنَّاهُمْ) أي طردناهم وأبعدناهم (وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً) أي صلبة لا تعي خيرا ولا تعقله. وقرأ حمزة والكسائي «قسيّة» بتشديد الياء من غير ألف ، وهي قراءة ابن مسعود والنخعي ويحيى بن وثّاب ؛ يقال : درهم قسيّ مخفف السين مشدّد الياء : أي زائف ، ذكر ذلك أبو عبيد. وقال الأصمعي وأبو عبيدة : درهم قسيّ كأنه معرب قاس. وقرأ الأعمش «قسية» بتخفيف الياء. وقرأ الباقون : (قاسِيَةً). (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ) الجملة مستأنفة لبيان حالهم ، أو حالية : أي يبدّلونه بغيره أو يتأولونه على غير تأويله. وقرأ السلمي والنخعي الكلام. قوله : (وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ) أي لا تزال يا محمد تقف على خائنة منهم ، والخائنة : الخيانة ؛ وقيل : هو نعت لمحذوف ، والتقدير فرقة خائنة ، وقد تقع للمبالغة نحو علامة ونسابة إذا أردت المبالغة في وصفه بالخيانة ؛ وقيل : خائنة ، معصية. قوله : (إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ) استثناء من الضمير في منهم (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ) قيل : هذا منسوخ بآية السيف ؛ وقيل : خاص بالمعاهدين. قوله : (وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ) الجار والمجرور متعلق بقوله : (أَخَذْنا) والتقديم للاهتمام ، والتقدير : وأخذنا من الذين قالوا : إنا نصارى ميثاقهم : أي في التوحيد والإيمان بمحمد صلىاللهعليهوسلم وبما جاء به. قال الأخفش : هو كقولك أخذت من زيد ثوبه ودرهمه ، فرتبة الذين بعد أخذنا. وقال الكوفيون بخلافه ؛ وقيل : إن الضمير في قوله : (مِيثاقَهُمْ) راجع إلى بني إسرائيل : أي أخذنا. وقال الكوفيون بخلافه ؛ وقيل : إن الضمير في قوله : (مِيثاقَهُمْ) راجع إلى بني إسرائيل : أي أخذنا من النصارى مثل ميثاق المذكورين قبلهم من بني إسرائيل ، وقال : (مِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى) ولم يقل ومن النصارى للإيذان بأنهم كاذبون في دعوى النصرانية وأنهم أنصار الله. قوله : (فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) أي نسوا من الميثاق المأخوذ عليهم نصيبا وافرا عقب أخذه عليهم (فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ) أي ألصقنا ذلك بهم ، مأخوذ من الغراء : وهو ما يلصق الشيء بالشيء كالصمغ وشبهه يقال :
__________________
(١). المائدة : ٢٤.
![فتح القدير [ ج ٢ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3964_fath-alghadir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
