غرى بالشيء يغري غريا بفتح الغين مقصورا ، وغراء بكسرها ممدودا ، أي أولع به حتى كأنه صار ملتصقا به ، ومثل الإغراء التحرش ، وأغريت الكلب : أي أولعته بالصيد ، والمراد بقوله : (بَيْنَهُمُ) اليهود والنصارى لتقدم ذكرهم جميعا ؛ وقيل : بين النصارى خاصة ، لأنهم أقرب مذكور ، وذلك لأنهم افترقوا إلى اليعقوبية والنسطورية والملكانية ، وكفر بعضهم بعضا ، وتظاهروا بالعداوة في ذات بينهم. قال النحاس : وما أحسن ما قيل في معنى (فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ) إن الله عزوجل أمر بعداوة الكفار وإبغاضهم ، فكل فرقة مأمورة بعداوة صاحبتها وإبغاضها. قوله : (وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) تهديد لهم : أي سيلقون جزاء نقض الميثاق.
وقد أخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله : (وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ) قال : أخذ مواثيقهم أن يخلصوا له ولا يعبدوا غيره (وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً) أي كفيلا كفلوا عليهم بالوفاء لله بما واثقوه عليه من العهود فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله : (اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً) قال : من كلّ سبط من بني إسرائيل رجال أرسلهم موسى إلى الجبارين فوجدوهم يدخل في كمّ أحدهم اثنان منهم ، ولا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أنفس منهم في خشبة ، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبها خمسة أنفس أو أربعة ، فرجع النقباء كلهم ينهى سبطه عن قتالهم إلا يوشع ابن نون وكالب بن يافنة ، فإنهما أمرا الأسباط بقتال الجبارين ومجاهدتهم فعصوهما وأطاعوا الآخرين ، فهما الرجلان اللذان أنعم الله عليهما ، فتاهت بنو إسرائيل أربعين سنة يصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا في تيههم ذلك ، فضرب موسى الحجر لكل سبط عينا حجرا لهم يحملونه معهم ، فقال لهم موسى : اشربوا يا حمير ، فنهاه الله عن سبهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : (اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً) قال : هم من بني إسرائيل بعثهم موسى لينظروا إلى المدينة فجاؤوا بحبة من فاكهتهم وقر رحل ، فقال : اقدروا قوّة القوم وبأسهم وهذه فاكهتهم ، فعند ذلك فتنوا فقالوا لا نستطيع القتال (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا) وقد ذكر ابن إسحاق أسماء هؤلاء الأسباط ، وأسماؤهم مذكورة في السفر الرابع من التوراة ، وفيه مخالفة لما ذكره ابن إسحاق. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : (وَعَزَّرْتُمُوهُمْ) قال : أعنتموهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله : (وَعَزَّرْتُمُوهُمْ) قال : نصرتموهم. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ) قال : هو ميثاق أخذه الله على أهل التوراة فنقضوه. وأخرج ابن جرير عنه في قوله : (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ) يعني حدود الله ، يقولون : إن أمركم محمد بما أنتم عليه فاقبلوه ، وإن خالفكم فاحذروا. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله : (وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) قال : نسوا الكتاب. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله : (وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ) قال : هم يهود مثل الذي همّوا به من النبي صلىاللهعليهوسلم يوم دخل عليهم حائطهم. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله : (وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ) قال : كذب وفجور ، وفي قوله : (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ) قال : لم يؤمر
![فتح القدير [ ج ٢ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3964_fath-alghadir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
