قوله : (ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ) (١) وضعّف الزجّاج والنحّاس وغيرهما زيادة لا وقالوا : هو غلط وخطأ. وذكر النحاس وغيره أن في الكلام حذفا والتقدير : أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون ، ثم حذف هذا المقدر لعلم السامع. قوله : (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ) معطوف على (لا يُؤْمِنُونَ) قيل : والمعنى : نقلّب أفئدتهم وأبصارهم يوم القيامة على لهب النار وحرّ الجمر (كَما لَمْ يُؤْمِنُوا) في الدنيا (وَنَذَرُهُمْ) في الدنيا : أي نمهلهم ولا نعاقبهم فعلى هذا بعض الآية في الآخرة. وبعضها في الدنيا ؛ وقيل : المعنى : ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في الدنيا ، أي نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآية كما حلنا بينهم وبين ما دعوتهم إليه أوّل مرة عند ظهور المعجزة ؛ وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، والتقدير : أنها إذا جاءت لا يؤمنون كما لم يؤمنوا ، ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ونذرهم في طغيانهم يعمهون : أي يتحيّرون ، والكاف في (كَما لَمْ يُؤْمِنُوا) نعت مصدر محذوف ، وما مصدرية ، و (يَعْمَهُونَ) في محل نصب على الحال. قوله : (وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ) أي : لا يؤمنون ولو نزلنا إليهم الملائكة كما اقترحوه بقولهم : (لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ) (٢) ، (وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى) الذين يعرفونهم بعد إحيائنا لهم ، فقالوا لهم : إن هذا النبي صادق مرسل من عند الله فآمنوا به ، لم يؤمنوا (وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ) مما سألوه من الآيات (قُبُلاً) أي كفلا وضمنا بما جئناهم به من الآيات البينات. هذا على قراءة من قرأ قبلا بضم القاف وهم الجمهور. وقرأ نافع وابن عامر قبلا بكسرها : أي مقابلة. وقال محمد بن يزيد المبرد : قبلا بمعنى ناحية ، كما تقول : لي قبل فلان مال ، فقبلا نصب على الظرف ، وعلى المعنى الأوّل ورد قوله تعالى : (أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً) أي : يضمنون ، كذا قال الفرّاء. وقال الأخفش : هو بمعنى قبيل قبيل ؛ أي جماعة جماعة. وحكي أبو زيد : لقيت فلانا قبلا ومقابلة وقبلا كله واحد بمعنى المواجهة ، فيكون على هذا الضم كالكسر وتستوي القراءتان. والحشر : الجمع (ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) إيمانهم ، فإن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، والاستثناء مفرغ (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) جهلا يحول بينهم وبين درك الحق والوصول إلى الصواب. قوله : (وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍ) هذا الكلام لتسلية رسول الله صلىاللهعليهوسلم ودفع ما حصل معه من الحزن بعدم إيمانهم ، أي مثل هذا الجعل (جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا) والمعنى : كما ابتليناك بهؤلاء فقد ابتلينا الأنبياء من قبلك بقوم من الكفار. فجعلنا لكل واحد منهم عدوا من كفار زمنهم ، و (شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِ) بدل من (عَدُوًّا) وقيل : هو المفعول الثاني لجعلنا. وقرأ الأعمش : الجن والإنس بتقديم الجن ، والمراد بالشّياطين : المردة من الفريقين ، والإضافة بيانية أو من إضافة الصفة إلى الموصوف ، والأصل الإنس والجن : الشياطين ، وجملة (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ) في محل نصب على الحال ، أي حال كونه يوسوس بعضهم لبعض ؛ وقيل : إنّ الجملة مستأنفة لبيان حال العدوّ ، وسمي وحيا لأنه إنما يكون خفية بينهم ، وجعل تمويهم زخرف القول لتزيينهم إياه ، والمزخرف : المزين ، وزخارف الماء طرائقه ، و (غُرُوراً) منتصب على المصدر ، لأن معنى يوحي بعضهم إلى بعض يغرونهم بذلك غرورا ، ويجوز أن يكون في موضع الحال ، ويجوز أن يكون مفعولا له ، والغرور : الباطل. قوله : (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ) الضمير يرجع إلى ما ذكر سابقا من الأمور التي جرت من
__________________
(١). الأعراف : ١٢.
(٢). الأنعام : ٨.
![فتح القدير [ ج ٢ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3964_fath-alghadir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
