بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣))
قوله : (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ) أي الكفار مطلقا ، أو كفار قريش ، وجهد الأيمان : أشدّها ، أي أقسموا بالله أشدّ أيمانهم التي بلغتها قدرتهم ، وقد كانوا يعتقدون أنّ الله هو الإله الأعظم ، فلهذا أقسموا به ، وانتصاب جهد على المصدرية وهو بفتح الجيم المشقة ، وبضمها الطاقة ، ومن أهل اللغة من يجعلهما لمعنى واحد ، والمعنى : أنهم اقترحوا على النبي صلىاللهعليهوسلم آية من الآيات التي كانوا يقترحونها ، وأقسموا لئن جاءتهم هذه الآية التي اقترحوها (لَيُؤْمِنُنَّ بِها) وليس غرضهم الإيمان ، بل معظم قصدهم التحكّم على رسول الله صلىاللهعليهوسلم والتلاعب بآيات الله ، فأمره الله سبحانه أن يجيب عليهم بقوله : (إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ) هذه الآية التي يقترحونها وغيرها وليس عندي من ذلك شيء ، فهو سبحانه إن أراد إنزالها أنزلها ، وإن أراد أن لا ينزلها لم ينزلها. قوله : (وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ). قرأ أبو عمرو وابن كثير بكسر الهمزة من أنها وهي قراءة مجاهد ، ويؤيد هذه القراءة قراءة ابن مسعود وما يشعركم إذا جاءت لا يؤمنون قال مجاهد وابن زيد : المخاطب بهذا : المشركون : أي وما يدريكم ، ثم حكم عليهم بقوله : (أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ) وقال الفراء وغيره : الخطاب للمؤمنين ، لأن المؤمنين قالوا للنبي صلىاللهعليهوسلم : يا رسول الله! لو نزلت الآية لعلهم يؤمنون ، فقال الله تعالى : (وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ) وقرأ أهل المدينة والأعمش وحمزة والكسائي وعاصم وابن عامر (أَنَّها إِذا جاءَتْ) بفتح الهمزة ، قال الخليل : أنها بمعنى لعلها ، وفي التنزيل (وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) (١) أي أنّه يزكّى. وحكي عن العرب : ائت السوق أنك تشتري لنا شيئا : أي لعلك ، ومنه قول عدي ابن زيد :
|
أعاذل ما يدريك أنّ منيّتي |
|
إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد |
أي لعل منيتي ، ومنه قول دريد بن الصّمّة :
|
أريني جوادا مات هزلا لأنّني |
|
أرى ما ترين أو بخيلا مخلّدا |
أي لعلني ، وقول أبي النجم :
|
قلت لشيبان ادن من لقائه |
|
أنّ تغدّي اليوم من شوائه |
أي لعلي ، وقول جرير :
|
هل أنتم عائجون بنا لأن |
|
نرى العرصات أو أثر الخيام |
أي لعلنا اه. وقد وردت في كلام العرب كثيرا بمعنى لعل. وحكى الكسائي أنها كذلك في مصحف أبيّ بن كعب. وقال الكسائي أيضا والفرّاء : إن (لا) زائدة ، والمعنى : وما يشعركم أنها : أي الآيات ، إذا جاءت يؤمنون فزيدت كما زيدت في قوله تعالى : (وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) (٢) وفي
__________________
(١). عبس : ٣.
(٢). الأنبياء : ٩٥.
![فتح القدير [ ج ٢ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3964_fath-alghadir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
