قوله تعالى : (ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ).
الغم معروف وهو حالة تعرض على الإنسان عند المصائب والحزن ومادة غمم تدل على الستر والخفاء فكأن هذه الحالة تستر الفرح والسرور وتخفي أسارير الوجه وتضيق الصدر.
والأمنة بالتحريك مصدر ، كالمنعة وهو بمعنى الأمن وفي حديث نزول المسيح بعد ظهور الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف) : «وتقع الأمنة في الأرض» اي تمتلئ الأرض بالأمن فلا يخاف احد من الناس والحيوان.
والنعاس ما يتقدم على النوم من فتور ويظهر اثره على العين ابتداء وهو بدل اشتمال من أمنة الذي هو مفعول «انزل» وقيل غير ذلك في اعرابهما. والغشيان الاحاطة.
والمعنى : ان الله تبارك وتعالى رأفة بكم أنزل عليكم من بعد الغم الذي أصابكم ما يشغلكم عن خوفكم ويغفلكم عن ذلك الغم بأن سلط عليكم النعاس الذي أصاب طائفة منكم وأحاط بهم وكانت هذه الحالة بمنزلة الأمن لكم. وهذه الطائفة هي التي اصابها الغم الشديد وتراكم عليهم من عدة وجوه كالخوف من الله تعالى وغم المخالفة وغم الهزيمة وغم الندم على الذنب ، وكانت هذه نعمة كبرى عليهم وسكينة إلهية وعناية خاصة بهم في هذه الحالة التي سلبت عنهم لبهم وازداد غمهم فكان النعاس لهم راحة للأجسام بعد الضعف والفتور ، واطمينان للقلب الذي اصابه الغم والتسليم لقضاء الله وقدره. وهؤلاء هم الذين رجعوا إلى النبي (صلىاللهعليهوآله) واحتفوا به ونصروه.
![مواهب الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٦ ] مواهب الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3959_mawaheb-alrahman-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
