عند النزال فلا يلحقهم الخوف من كثرة العدو وعدتهم.
وانما أخر عزوجل «به» في المقام وقدمه في موضع آخر قال تعالى : (وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ) الأنفال ـ ١٠. ولعل الوجه في ذلك ان المؤمنين لذلتهم وقلة عددهم وعدتهم في بدر لم يكن لهم أمل في النصر الا ارادة الله تعالى ونصرته وانجاز وعده عزوجل ، كما هو معروف من انقطاعهم إلى الله تعالى ، فكان القصر في الكلام بخلاف أحد ، فان الأمر لم يكن كذلك فنزل الخطاب من غير قصر.
قوله تعالى : (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ).
(عند) يفيد مطلق الحضور الأعم من الجسماني والروحاني وما هو فوق ذلك كالحضور عند الله تعالى ، وقد استعمل في القرآن الكريم في الجسمانيات المحضة في الدنيا كقوله تعالى : (فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ) البقرة ـ ١٩٨ ، وقوله تعالى : (ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ) النحل ـ ٩٦ وفي الآخرة كقوله تعالى : (وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ) الصافات ـ ٢٨ وفي المجردات والروحانيات كقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ) الأعراف ـ ٢٠٦ ، ومثل قوله تعالى : (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى) النجم ـ ١٤. وفي فوق الروحانيات والمجردات كقوله تعالى : (وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ) النحل ـ ٩٦ ، وقال تعالى : (لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ) القلم ـ ٣٤ إلى غير ذلك من الآيات الشريفة بل استعمل مضافا إلى الله تعالى في القرآن الكريم بانحاء مختلفة.
والحصر في الآية الشريفة يفيد ان جميع أنواع النصر ـ معنوية كانت أو مادية ـ تنحصر به تعالى ، لفرض ان الكل مسخر تحت
![مواهب الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٦ ] مواهب الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3959_mawaheb-alrahman-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
